العودة   ~ منتديات مدينة سنجة ~ > ®¤*~ˆ° الادب والفنون ®¤*~ˆ° > القصص والحكايات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-23-2012, 09:46 AM   #11
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي


-6-
في النهار .. لم يكن يهتم لتخويفها ...
لكنه الان في قبضة الليل .. خطواته المتسللة الصامتة ترتعش تجاوباً مع دقات قلبه الخائف ... لقد جفاه النوم وعززت صرخات بدور المريضة (بالحصبة) من دوافع صحوه فوجد نفسه وحيداً في الغرفة الواسعة بسقفها الخشبي المرتفع ... وصوّر له خياله ( العناقريب ) الضخمة بارجلها الرفيعة العالية كانها العناكب التي يكرهها فنزل من مكانه بهدوء حتى لا يوقظها من سباتها ... انسلّ من غرفته وركض تجاه غرفة السرة المضيئة ... من شق الباب الموارب سمع صوت بدور الباكي فاختلس النظر ليجدها بين ذراعي امه المتقرفصة في منتصف سريرها وهي تحملها وتهزها برفق بينما استكانت بلقيس بين ذراعي والده وهو يدور بها من اقصى الغرفة الى اقصاها ... يبدو ان لا مكان له هنا ... تسلل بهدوء من باب المطبخ الخلفي باتجاه بيت بخيت والعينة ... هناك دائما يجد مكانا يسعه واشخاصاً يلاعبونه ويهتمون لامره ...
عندما تخطى كل الصعاب ووصل اخيراً الى الباب ... إنفتح امامه بسلاسة ودون اصدار الصوت الشيطاني فركض تجاه المبنى الطيني ودفع بابه ودخل ... وقف في منتصف الصالة الطولية التي تطل عليها غرفتان صغيرتان .. واحدة تخص العينة وبخيت وتشاركهما فيها ( حبيبة ) التي تماثل بلقيس عمراً .. بينما خصصت الغرفة الاخرى لاستقبال الضيوف نهاراً ونوم عبد الرزاق وعبد الستار ليلاً ... كان يهم بالحركة عندما تناهت الى سمعه اصوات مبهمة تاتي من غرفة بخيت والعينة .. لم تكن واضحة بسبب الباب الموصد ... لكنه ميز بصعوبة صوت العينة المبحوح وهي تتاوه وتصرخ ... وفي لحظة صمتها يرتفع صوت بخيت الاجش وهو يتمتم بعبارات غامضة ... أخافته الأصوات وبدا عقله القاصر يتساءل عن السبب الذي يجعل بخيت يقدم على ضرب العينة ويؤلمها حتى تصرخ ... ركض فزعاً إلى الغرفة الاخرى ودلف من الباب الموارب على عجل .. اوقف اندفاعه اصطدام جسده الصغير بشبح يبدو كل ما فيه هائج ومتحفز ... كان عبد الستار ابن السبعة عشر عاماً واقفاً في منتصف الغرفة يتنصت على صرخات امه وهمهمات ابيه وكل شئ فيه يبدو غريباً .. اختفت من ملامحه الوداعة المعتادة وبدا كصقر جائع يبحث عن فريسة لينقض عليها تبادلا نظرات فزعة متفاجئة وبدأ المشهد غامضاً بسبب الاضاءة الصفراء الشاحبة التي تنبعث من لمبة صغيرة معلقة بسلك يتدلى بمحاذاة الحائط ... وقبل ان يدرك ابراهيم ما يحدث وجد يد عبد الستار التي تفوح منها رائحة نفاذة كريهة تغطي فمه وانفه وهو يجره تجاه سريره ... وفي لحظة بدأ الكابوس يجثم على ظهره بكل ثقله والمه وجموحه ... احس بانه يختنق .. وان روحه تتسلل منه بصمت .. وادخله الالم الحاد في غياهب اللاوعي ...
مرت فترة لا يعلم مداها .. وعندما استفاق كان لا يزال مستلقياً على بطنه يعتريه احساس مخيف بان عمود نار قد اخترق ........ ... فتح عينيه بتعب لتصطدمان بوجه عبد الرزاق النائم باطمئنان في السرير المقابل وقد علت وجهه شبه ابتسامة ... كان ما حدث اكبر من قدرته على الاستيعاب ... وإجتاحته رعشة من الصمت المميت الذي اطبق على المكان ... لم تعد العينة تصرخ .. وتوقفت همهمات بخيت لم يعد هناك غير لون الظلام .. ورائحة الدم ...
عندما استطاع اخيرا ان يرفع راسه وجد عبد الستار جالساً بقلق على طرف السرير وهو يحمل قطعة صغيرة رطبة تبقعت بلون احمر قان ..كان يطويها ويفردها بحركات لا ارادية وعيناه الصغيرتان تدوران بخوف .. غادرته هيئة الصقر المتحفز وعاد الى وداعته المعتادة ... عادت اليه هيئة عبد الستار الذي يلاعبه ويحمله على ظهره جريا الى الدكان الصغير ليشتري الحلوى والالعاب ويساعده في استذكار دروسه وحفظ جداول الضرب وسور القرآن .. لقد استعاد شكله القديم .. شكل صديقه الذي يقوم بعقد الصلح بينه وبين عبد الرزاق عندما يتخاصما اثناء اللعب ... صديقه الذي يطلب منه ان يراقب شقيقته الصغيرة حبيبة عندما تغيب العينة اثناء ساعات خدمتها الطويلة في البيت الكبير ...

أحس بالم ممض عندما رفعه عبد الستار من السرير وطلب منه بهمس ان يتبعه الى الخارج ... خذلته قدماه ولم يستطع السير فاضطر عبد الستار لحمله حتى وصلا الى السور الشجري ... هناك انزله ببطء وجلس قبالته وهو يسنده بيديه وعيناه تنظران اليه بخجل وندم ...

- ابراهيم ؟؟ احنا اصحاب مش كدة ؟؟

اتت ايماءة الموافقة تلقائية وصامتة ..

- الحصل دة بيحصل بين الاصحاب لمن يكونوا بيحبوا بعض شديد ... مش انت عارف انا بحبك قدر شنو ؟؟ انا بحبك زي عبد الغفار وحبيبة ويمكن اكتر منهم كمان ... عشان كدة الحصل دة لازم يفضل سر بيننا انا وانت وبس ومافي أي زول تاني في الدنيا يعرفو ... اوعك يا ابراهيم تكلم زول والا حازعل منك وما حنبقى اصحاب ... وما حتلقى زول تاني يوديك الدكان ولا زول يذاكر ليك ويحل ليك الواجبات وحتبقى بليد في المدرسة وتطلع الطيش .. ولو امك وابوك عرفوا حيحبسوك في البيت الكبير وما حيخلوك تجي عندنا تاني .. ويمكن كمان السرة تحرش ود العمدة يطردنا من البيت لانها اصلاً ما بتحبنا .. انت عاوزهم يطردونا من البيت يا ابراهيم ؟؟؟


اتت هزة الرفض صامتة من الطفل الحائر المتالم .. كانت عينا عبد الستار مغروزتان في عينيه وهو يحشو راسه بمبررات قابلة للتصديق ... لماذا يكذب عليه صديقه ؟؟ ربما هو فعلا لعب لم يعتده لذلك احس بالالم .. ربما في المرة القادمة سيكون اقل الماً ...

حمله عبد الستار وقطع به مساحات الرعب حتى اوصله الى باب المطبخ الخلفي .. انزله برفق وهو يذكره بالكتمان ...
في تلك الليلة بدات اولى كوابيس ابراهيم واضطرابات نومه التي لازمته طيلة حياته .. عقب صلاة الفجر هرع حامد والسرة الى غرفة الفتى الصغير اثر صرخات هائلة اطلقها وهو يحاول محاربة الاشباح المرعبة التي غزت احلامه .. كان احدها يشبه عبد الستار وقد نبت له قرنان في مقدمة راسه واصبحت عيناه بلون الجمرة المتخلفة عن حريق الحطب تحت صاج الكسرة ..
عندما تحسس حامد جسده .. وجده يحترق بالحمى ... وفي الصباح غطت بثور ( الحصبة ) الصغيرة التي انتشرت في جسده على آثار اغتيال طفولته الذي تم ليلاً
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2012, 03:33 PM   #12
هيثم قوته
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,064
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العزيز النور اللخمى مشاهدة المشاركة

الغالى هيثم لاكلل ولا ملل ... لكن نعطى فرصة كافية للمرور .
يلا نشد الخطوة .

لك خالص ود وتقديرى واحترامى.


اهلين وميه هلا ومرحبا اخوي عبد العزيز
الحمد لله ان الكلل والملل لم يعرف الطريق الي قلمك
فكرة سديدة اعطاء وقت لمرور من لم يمر هذا ان مر احد نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
يلا نشد الخطوة خلينا نشوف السرة واخر الصيحات وكمان جاكلين ومنال
والعمده حامد شن بسوى ... وكبر لينا الخط في الكتابه عملت
لينا وجع عيون يا عبد العزيزنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


خارج النص
يا عبد العزيز جاكلين دي كان دخلت الاسلام كلمني
__________________
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

التعديل الأخير تم بواسطة هيثم قوته ; 05-23-2012 الساعة 03:35 PM
هيثم قوته غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2012, 09:57 AM   #13
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيثم قوته مشاهدة المشاركة
[FONT=Arial][SIZE=5][COLOR=navy]
فكرة سديدة اعطاء وقت لمرور من لم يمر هذا ان مر احد نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
[FONT=Arial][SIZE=5][COLOR=navy]
خارج النص
يا عبد العزيز جاكلين دي كان دخلت الاسلام كلمني
الحبيب الراقى هيثم قوتة
تحياتى مرة أخرى

قاعديين يمروا بصمت شايفهم فى العداد
لكن ليك على جاكلين ماحقة زول منهم
جاكلين بديك ياها ودخلا الاسلام بى طريقتك
أها يكون ليك أكثر من أجر ... بس الخطوبة
In The End
شوف الانجليزى صحيح ولا لا

لك خالص الشكر وان تشجعنا وتدفعنا الى الامام
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 10:27 AM   #14
هيثم قوته
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,064
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العزيز النور اللخمى مشاهدة المشاركة

الحبيب الراقى هيثم قوتة
تحياتى مرة أخرى

قاعديين يمروا بصمت شايفهم فى العداد
لكن ليك على جاكلين ماحقة زول منهم
جاكلين بديك ياها ودخلا الاسلام بى طريقتك
أها يكون ليك أكثر من أجر ... بس الخطوبة
in the end
شوف الانجليزى صحيح ولا لا

لك خالص الشكر وان تشجعنا وتدفعنا الى الامام

يا هلا ويا مرحبا اخوي عبد العزيز

تحيات طيبات تغشاك

والله ما قصرت تب انك حجزت لي جاكلين والانجليزي زينه وعاجباني
خلاص عليك الله جر لي القصة دي خليها تنتهي سريع

ما تقول انا مستعجل علي عرس جاكلين .. انا كايس الاجر في دخولها الاسلام ..

الجماعه البمرور بصمت ما هنا بس .. كدي شوف المتواجدين خلال 24 ساعه
واسماءهم وفتش كل المنتدى لو واحد فيهم كتب حرف ..
__________________
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
هيثم قوته غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 12:26 PM   #15
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيثم قوته مشاهدة المشاركة
يا هلا ويا مرحبا اخوي عبد العزيز

تحيات طيبات تغشاك

والله ما قصرت تب انك حجزت لي جاكلين والانجليزي زينه وعاجباني
خلاص عليك الله جر لي القصة دي خليها تنتهي سريع

ما تقول انا مستعجل علي عرس جاكلين .. انا كايس الاجر في دخولها الاسلام ..

الجماعه البمرور بصمت ما هنا بس .. كدي شوف المتواجدين خلال 24 ساعه
واسماءهم وفتش كل المنتدى لو واحد فيهم كتب حرف ..
الحبيب هيثم قوتة سلام
أنت المهم ..... طالما طلبت الاسراع فهيا بنا
مهما هم تأخروا فإنهم يأتون ......

جاكلين مانى شايلها منك
وان شاء الله يحصل لها كل خير

تقبل تحياتى الخالصة .

عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 12:37 PM   #16
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-7-
الفصل الرابع
باقتراب موعد العرس ارتفعت حرارة الاستعدادات في حوش ود العمدة .. كانت جحافل النساء تغزو المكان دخولاً وخروجاً في كل الاوقات ... وترقّب سكان الاحياء المجاورة لحي ابوروف الموعد بلهفة .. كانوا يتوقون لحضور عرس آخر يذكرهم بما شهدوه في اعراس بنات ود العمدة السابقة ... بينما لم يعد احد يتذكر تفاصيل زواج ابراهيم من حبيبة ابنة بخيت والعينة الذي تم على عجل واقتصر على اقرب الاقربين .. لم يكن هناك حفل باذخ مثلما توقع الجميع لزواج الولد الوحيد في الحوش ... فبعد عقد القرآن المتواضع اخذ ابراهيم عروسه واختفى تاركاً جملة من التساؤلات والتكهنات عن سر هذا الزواج الغريب بين ابراهيم وهو من هو ... وحبيبة وهي من هي .. وانتشرت الشائعات عن وجود فضيحة محتملة كان لابد من سترها باسرع وقت ... وبدا الجميع في عد الايام لقدوم طفل حبيبة الاول حتى يتاكدوا من شكوكهم ... لكن ولادة فاطمة ابنة حبيبة البكر بعد سنة وثلاثة اشهر من زواجها دحضت الشائعة وجعلتها تنحصر في فرضية رفض السرة لهذه الزيجة والذي عبرت عنه صراحة بحزم امتعتها وسفرها الى القرية وبقاءها هناك لفترة طويلة بمرور السنين انمحت من الاذهان ذكرى هذا الزواج الباهت بينما بقيت صور زواج بلقيس وبسمة وبدور حاضرة بقوة ... كانت فرحة السرة لا توصف بزواج اولى حفيداتها .. فوزعت رسلها في كل مكان لتوجيه الدعوات والتاكيد على معارفها بالحضور ... اصبح حوش ود العمدة مهرجانا من الفرح المتواصل عندما اعلن حامد موافقته وانتشر الخبر فتوافدت جيوش المهنئين وبدات سلسلة من الطقوس التي ابدعت السرة في تنظيمها واخراجها ... حتى اول جلسة لرحمة في ( حفرة الدخان ) تحولت الى حفل مرتجل امتد الى ما بعد منتصف الليل ... وصار ايقاع ( الدلوكة ) موسيقى رسمية لا تنقطع في فضاء الحي ..
صبيحة يوم العرس فتحت الابواب على مصراعيها ووقف حامد في صدر المكان محاطاً باهله وجيرانه وهو يشرف على الذبائح التي نحرت بالجملة ... كان الصيوان الواسع يموج بحركة الاطفال المتراكضين هنا وهناك ... عمال ينظمون الطاولات والمقاعد ... آخرين يرفعون عقود الاضاءة لتثبيتها .. وفود من النساء تدخل وتخرج ... وبين الحين والاخر تتعالى زغرودة طويلة وتجاوبها اخرى بايقاع يهز القلوب ...
في غرفة بلقيس ارتمت رحمة بين ذراعي والدتها وهي تنتحب بصوت مكتوم وامها تحاول ان تتظاهر بالهدوء والحزم ...

- بس يا رحمة ... بطلي بكا .. انتي عاوزة عيونك تحمر وتورم وبعدين الناس تقول العروس مالا ؟؟ طيب وريني انتي هسة بتبكي ليه ؟؟ المفروض تكوني فرحانة .. مش محمود دة انتي الوافقتي عليهو وقلتي عاوزاهو ؟؟

رفعت رحمة وجهها الممتلئ بالدموع لدى ذكر رجلها الذي اختارته بعقلها ثم غزا قلبها .. وبصوت متحشرج سارعت تنفي عنه تهمة تسببه ببكائها...

- امي انا ببكي لاني ما متخيلة بعد يومين اقوم من النوم وما القاك انتي ومنال جنبي .. ما القى امي السرة وابوي حامد .. ما متخيلة اني اصحى في مكان غريب مع راجل غريب ... خايفة يمة ... خايفة شديد .. صحي محمود انسان طيب ومتدين والكل شهد ليهو بالاخلاق والاحترام ... لكن انتي قلتي لمن ابوي جا يتقدم ليك برضو كل الناس قالت ليكم انو زول كويس .. وانتي ما عرفتي عيوبو الا بعد ما خلاص بقى امر واقع ما منو مفر ...

تصاعد نحيبها مرة اخرى ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 12:43 PM   #17
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-8-
الفصل الخامس

تهادت رحمة بفستانها االابيض يتبعها ذيله الطويل على طول الممر المفروش بالسجاد الاحمر ... بدت فاتنة بطولها الفارع وتقاطيعها الجميلة ونظراتها الحالمة .. بين ذراعيها استكانت باقة ورد ناصعة ومزينة بشرائط زهرية لامعة ... تعلقت يدها بيد زوجها الفخور الذي بدت سعادته واضحة في الابتسامة الطفولية الجذلة .. بينما تابعته نظرات الفتيات وهن يتهامسن على اناقته الملفتة ... فقد بدا كأحد فرسان العصور الوسطى ببذته السوداء التي تضارب لونها مع قميصه الابيض والفراشة الحمراء التي تزين عنقه و يتماشى لونها مع حزام الستان العريض في خصره ...
تقدم الموكب صبي صغير يحمل مصحفاً وضع في وسادة من المخمل الاحمر ... تبعته قافلة من الصغيرات اللائي قمن بنثر اوراق الورد على طول الممر لتطاها اقدام الفتيات الاكبر سنا وهن يحملن الشموع البيضاء المزينة بالشرائط الزهرية ... ومن خلف رحمة كانت الاشبينات يدرن كالفراشات وقد احتار الناظرون اليهم في تحديد ايهن اكثر جمالا من الاخرى ... كان همس الحرير يتطاير حول اجسادهن المغرية في فساتين زهرية ناعمة وتكللت رؤوسهن بتيجان من الورد الطبيعي بنفس اللون ... تعالت الزغاريد وبدات موسيقى هادئة تعزف الحانها ووقف معظم الحضور حتى يحظى بمتابعة اوضح للموكب الفخم المتقدم ببطء في الممر الطويل ... من بعيد ظهر حامد ود العمدة وهو يسير برصانة الملوك .. احتضن العريس مهنئاً وقبل حفيدته في جبينها بحنو .. من خلفه وقفت بلقيس بهيئتها المتناقضة ... كانت دموعها تسيل بغزارة في وجه علته ابتسامة مشرقة كضوء الشمس اطلقت زغرودة طويلة بدت وكانها سوف تستمر للابد .. ثم احتضنت ابنتها في عناق قوي استغرقت منال وقتا كي تفصمه وهي تهمس في اذن امها ...

- امي .. فكيها عشان التسريحة ما تخرب ... وما تبكي عشان عشان رحمة حتبكي معاك وتبوظ المكياج ...
عندما وصل الموكب اخيرا الى (الكوشة) الفخمة ..كانت عينا رحمة تدوران بقلق وهي تتامل الحضور بحثا عن وجه بعينه ... عندما اعيتها المحاولة مالت على امها التي تمسك يدها بقوة وهي تسالها ..

- امي ؟؟ حبوبة السرة وينا ما شايفاها ؟؟!! ...

ردت بلقيس بخفوت وهي تتلقى سيل التهاني ...

- حبوبتك تعبت شوية ... اليوم كان طويل عليها وانتي عارفة صحتها ما بقت تستحمل قالت بترتاح حبة وتطلع ..

ظهر الفزع على ملامح رحمة وعلا صوتها بدون وعي وهي تخاطب امها ...

- حبوبة تعبانة وما شافتني لمن دخلت ؟؟ تعال يا محمود ارح جوة نسلم على حبوبة ..

ووسط دهشة الحضور امسكت رحمة بيد زوجها وهي تشق الجموع الى الباب الكبير المؤدي الى المنزل تتبعها بلقيس وهي تقديم التبريرات لتصرفات ابنتها ...

- ماشة تسلم على حبوبتها عشان ما قدرت تطلع تشوفها ...

كانت تلتفت خلفا بانزعاج وهي تبحث عن ابنتها الاخرى ..

- تعالي يا منال ارفعي فستان اختك عشان ما يتوسخ ...

على سرير في منتصف الباحة الخلفية بدت السرة المستلقية وهي تتامل النجوم بصمت وغارقة في خيالاتها كأنها في عالم آخر ... انتبهت على صوت الزغاريد والضجة المصاحبة للعروس .. ابتسمت بفرح وهي ترى حفيدتها تتقدم نحوها مسنودة بيد زوجها ونظرات القلق تملا عينيها ..

- حبوبة مالك ؟؟ سلامتك ... صحي تعبانة ؟؟

نهضت السرة وغطت راسها بثوبها واطلقت زغرودة عالية ثم احتضنت حفيدتها وانحدرت دموعها وهي تردد ...

- ما شاء الله تبارك الله .. الصلاة على النبي .. بتي القمرة عروس ؟؟ يا ولد يا محمود تخت رحمة دي جوة عيونك .. دي الغالية بت الغالية .. واوعى يوم تجي تشتكي لي منك ..

تحلّق الجميع حول سرير السرة التي اقنعت حفيدتها انها بخير وطلبت منها الخروج حتى يبدا الحفل وما ان غاب الموكب عن انظارها حتى دست يدها تحت الوسادة واخرجت علبة صغيرة تناولت منها لفافة تبغ رفيعة .. وضعتها على شفتيها باحتراف .. مالت وهي تحجز شعلة اللهب الصغيرة المتراقصة من تيار الهواء ... امتصت نفساً عميقاً حتى توهج طرف اللفافة ثم عاودت الاستلقاء على ظهرها ومراقبة النجوم ... لقد اعادتها فرحة رحمة الى ذكرى اخرى بعيدة ذكرى فرحتها وهي تزف الى حبيبها ابراهيم ... اخرجت الدخان من فمها ونفثته في الجو فتعالت حلقات متراصة تتسع كلما صعدت الى اعلى حتى تتلاشى مع هبات النسيم ... ابتسمت السرة بسخرية فقد كانت الحلقات الدخانية تشبه حياتها تماماً ... الان لم تعد تهتم بما آلت اليه ايامها .. فقد اصبحت كل اللحظات متشابهة ومكررة للحظات عاشتها قبلاً ... لحظات عاشتها بعمق ... صادقت فيها حزنها وتجاوبت مع فرحها ... تجاوزت الصعاب وتخطت الاحباطات ... هادنت الالم وتغلبت عليه .. كانت دروس مهادنة الالم هي الاصعب والاكثر قسوة لانها بدات باكراً ...

تذكرت صباحا شتويا دافئا تدثرت فيه بفانلة الصوف وهي ترسم خطوط لعبة ( الحجلة ) بعود صغير على ارض الحوش الجافة تناوبت بعدها هي وشقيقاتها الاكبر سناً في رمي الحجر ومحاولة تمريره من مربع لآخر وهن يقفزن بقدم واحدة ...كانت في منتصف اللعبة عندما اتت والدتها واقتلعتها من وسط ضجيج اللعب دون ان تابه لاحتجاجها ... ادخلتها غرفتها حيث ( الطشت ) الملئ بالماء الساخن .. فركت جسدها الصغير بالصابون المعطر ... جففتها وجدلت لها شعرها الطويل الكثيف ... البستها قميصاً جديدا زاهيا ... واقتادتها الى غرفة الضيوف المحرمة عليهم في الاحوال العادية ... احست ابنة السابعة بالحيرة .... وسرعان ما تحول احساسها الى الم حاد وصرخات مذعورة اطلقتها بينما كانت الداية تقتطع لحمها بحضور امها المراة القوية التي لقنتها في ذلك اليوم اول دروس مهادنة الالم وهي تهمس في اذنها...

- اسكتي يا بت ... اقفلي خشمك دة واوعاك تتعودي على الصريخ ... المرة التمام ما بتكورك ولو اكلت الجمر ... صوتك دة ما يطلع برة ابدا فاهمة ولا لا ؟؟

لم يتوقف صراخها ... لكنه انعكس واصبح موجه الى داخلها ... لم تعد تصدر صوتا ... بينما امتلات اعماقها بضجيج الالم ... كانت طفلة تضج بالحياة ... ممتلئة القوام بوجه مستدير كالقمر .. وشعر اسود طويل وكثيف .. عيون سوداء لامعة ولون مائل الى السمرة ولكنه يجافيها ... عندما بلغت العاشرة تجدد موعدها مع الالم ... لكن هذه المرة حرصت امها على تهياتها نفسياً لاستقبال ما هو آت ... حفزتها بكلمات مبهمة عن مدى اهمية هذا الطقس ودوره في ابراز جمالها ونقلها من دنيا الاطفال الى عالم النساء ...يبدو ان المها والشتاء كانا على وفاق ... فقد كان البرد قارساً .. وعندما اشتكت من حدته لامها نهرتها قائلة ...
- البرد احسن عشان الجرح يبرا سريع وما يحصل ليك شئ ...

كانت ( الشلاخة ) عجوز شامخة مشهورة بدقتها ومهارتها في قريتهم والقرى المجاورة ... تتميز بوجع مفلطح عريض لامع السواد احتل الانف الافطس مساحة كبيرة منه .. عيناها صغيرتان كحبات الخرز .. ومن اطراف المنديل الابيض المربوط باحكام على راسها ... ظهرت مقدمة شعرها خشنة ومبرومة كحبات الفلفل الاسود ... عندما تتحرك تتبعها موجة من روائح المحلبية المختلطة برائحة اخرى لم يستطع انفها الصغير تمييزها ...
في ذلك اليوم لم تستطع التمسك بنصيحة امها ... وهزت صرخاتها فضاء البيت عندما شرعت الشلاخة في شق خدودها بموس حاد ... بدات بالخد الايمن فرسمت فيه ثلاث خطوط طولية عميقة ثم انتقلت الى الخد الايسر لترسم شبيهتها ... حاولت ان تتملص وتفلت من الالم الذي مزقها لكن مساعدات الشلاخة القويات قمن بتثبيتها حتى خارت قواها ... لحظتها تمنت الموت حتى تتخلص من الالم ... عندما انتهت العملية غسلوا لها جروحها ووضعوا عليها قطع قطن مشبع بالمحلبية والقطران ظل الالم يلازمها قرابة الشهر عانت فيه ما عانت من حمى وهذيان .. تورم وجهها حتى صار كالبالون ... عافت نفسها الاكل وحرمت حتى من نعمة البكاء كي لا تنزل دموعها المالحة على جروحها المفتوحة وتزيد المها ... لم تنظر الى وجهها في المرآة الا بعد مرور شهرين واحست بسعادة غامرة عندما وجدته مزيناً بشلوخ عريضة ... عميقة ومنتفخة ... نسيت معاناتها السابقة واصبحت تتباهى بشلوخها المتقنة بين قريناتها .
عندما بلغت الخامسة عشرة كانت قد اصبحت امراة مكتملة الانوثة ... ووقتها سمعت لاول مرة جملة ( ابراهيم للسرة والسرة لابراهيم ) وانتفض قلبها طرباً لفكرة الزواج من ابن عمها الامين عمدة القرية ... كان يكبرها بثلاث سنوات ... تميز عن اخوانه بوسامة ظاهرة وذكاء حاد ... وبعد ان انهى دراسته الثانوية توقع الجميع ان يتفرغ لادارة تجارة ابيه الواسعة خصوصا بعد ترشيحه لمنصب العمدة خلفا لوالده بحكم انه اكبر الاولاد ... لكنه فاجا الجميع بقرار دخول الجامعة في العاصمة ... انقبض قلب السرة عندما سمعت بقراره ... انتابتها الهواجس وملات عقلها الوساوس خوفا من ان يغير ابن عمها رايه من الزواج بها اذا ما عاش في العاصمة ووجد اخرى تنسيه ابنة عمه القروية لكنه بدد مخاوفها وكان وفيا لارتباطه بها ... وعند عودته في اجازاته الدراسية التي كانت تمر بسرعة البرق .. كان يجلب لها الهدايا ويغمرها بالاهتمام ... اكمل دراسته بعد اربع سنوات مرت عليها كالدهر وجعلتها تزداد تعلقا به الى درجة مخيفة ... لقد احبته بكل جوارحها ومشاعرها البكر واختزل بوجوده كل الرجال ... بعد تخرجه عقد قرآنه عليها وامهلها سنة حتى تتهيا للزواج ....
في التاسعة عشرة كانت قد اصبحت من اجمل بنات القرية .. اكمل وجهها استدارته واصبحت شلوخها اعمق وادكن ... ظهرت اشراقة الحب جلية في ملامحها وحركاتها ... توزع امتلاء جسدها بشكل مغر ... نفر صدرها معلنا عن وجوده بافصح الطرق ... تضمر خصرها وبرزت خلفيتها بصورة جعلتها موضع حسد الكثيرات اللائي يتهامسن ما ان يرينها عند ظهورها في أي مجتمع ( السرة ام صلب جات ) ...
بدات طقوس الانتقال من عالم البنات الى دنيا النساء بكل حماس ... كانت تجلس في حفرة الدخان بالساعات الطوال حتى تفحم لونها وصار بسواد الشملة التي تتغطى بها ... جدلت شعرها الطويل في ضفائر صغيرة بعد ان اغرقته بدهن ( الكركار ) .. خاصمت الكحل الذي تعشقه ... واعتزلت الخروج من المنزل مهما كانت الاسباب ...
وقبل موعد العرس بثلاثة اشهر جددت عهدها مع الالم عندما خضعت لوشم شفتها السفلي ايذانا بانتقالها النهائي الى مجتمع النساء المتزوجات ... كتمت انفاسها بينما كانت الابر الصغيرة الحادة تغرز بسرعة وحرفية ... اغمضت عينيها حتى لا ترى الدم المندفع برغم طعمه الذي ملا فمها ... حاولت ان تلهي نفسها عن التفكير فيما يحدث لها بالغرق في تذكر حبيبها ولقاءتهما الخاطفة عند حضوره الى منزلهم ... نظراته الواعدة ولمساته المختلسة عندما يضمن اختفاء الاعين المراقبة ... كانت تتوق ليوم زواجهما .. وتتلهف كي يصبح كل منهما ملك للاخر ...
عندما انتهى الوخز المؤلم مسح الدم بقطعة نظيفة وذر نبات النيلج على شفتها المتقرحة التي تورمت حتى احست بانها تحمل شيئا غيرها في وجهها .. وكان الالم رهيبا خصوصا عندما تحاول شرب الماء .. فقط الغوص في خيالها مع ابراهيم كان يخفف المها ويجعلها تحتمل كل ما تمر به ليقينها بانها تفعله من اجله .. وكي تكون جميلة امام عينيه ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 12:45 PM   #18
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-9-

في يوم العرس كان قلب السرة يتقافز في صدرها كقطة مشاغبة ... استيقظت فجرا وظلت في سريرها ساكنة ... تفكر ... وتحلم ... وعندما بدات الشمس تنشر ضياءها اصبح المكان حولها كخلية نحل .. لكنها ظلت مسجونة داخل الغرفة المظلمة ولا يسمح برؤيتها الا للمقربون .. كانت تتامل بدهشة وفرح نقوش الحنة السوداء التي رسمت باتقان من اطراف اصابعها وحتى منتصف ذراعيها ومن اصابع قدميها حتى منتصف ساقيها .. جسدها الذي توالت عليه ابخرة حطب الشاف والطلح والكليت والهبيل ... اكتسب نعومة مذهلة خصوصا بعد جلسات الفرك بعجينة ( اللخوخة ) المخلوطة ببودرة الكركم وقشور البرتقال المجفف المطحون والتي كانت تتم صبحاً ومساءَ على ايدي خادمات قويات ... بدا ضجيج الخارج بعيدا عنها وهي سارحة في امنياتها وخيالاتها .. مرت ساعات اليوم كالبرق وما ان مالت الشمس نحو الغروب حتى اتت امها وخالاتها وهن يحملن الصناديق الخشبية المشغولة بالاحجار الملونة والاصداف وبدات طقوس التزيين وارتداء الملابس المرهقة ... تولت شقيقاتها تعطير كامل جسدها بزيت الصندل حتى صار لامعاً متوهجاَ .. عطراً ... واحست بوخزات مؤلمة عندما شُد رباط ( الرحط ) حول خصرها باحكام لينزلق فوقه فستان الستان الاحمر القصير... صففت خالتها شعرها الطويل وتركته منسابا خلف ظهرها ليغطي خلفيتها المتوثبة ثم وضعت فوقه ( الجدلة ) المنضومة من جنيهات الذهب الخالص .. من اذنيها تدلت ( الفدو ) الضخمة .. وامتدت (الرشمة ) من خلف اذنها حتى انفها ليصبح وجهها المستدير بشلوخه العميقة مضيئاً بانعكاسات لون الذهب والستان الاحمر ..
تغطى صدرها الناهد ( باللبة ) الكبيرة المتوارثة في العائلة منذ اجيال .. وكاد عنقها ينحني من ثقل عقود ( القصيص ) و ( الفرجلات ) ... تراصت عشرات الاساور على يديها وأحاطت ثعابين ذات عيون حمراء لامعة بأعلى ذراعيها ... على الساقين وضعت ( حجول ) كبيرة اظهرت جمالهما وزاد الكحل الاسود عينيها عمقا واتساعاً ... وبعد انتهاء طقوس ارتداء الملابس والزينة احضرت احدى شقيقاتها ( مبخر ) ملتهب الجمرات ووضعت فيه قبضة من اعواد خشب الصندل المعطر ووقفت السرة فوقه بصبر حتى تشبعت به واصبحت رائحتها مزيج مثير يشاغب الخيال ويلهب المشاعر .. اخيراً لفت قوامها بثوب حـريـري احمـر مزين بـورود ذهبيـة لامعـة .. تغطت ( بالقرمصيص ) وتهادت في مشيتها مصحوبة بالزغاريد وأدعية الحفظ من امها وخالاتها .. وتنافست طلقات الرصاص المحتفية بمقدم العروس .. كانت تتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة حتى وصلت الى المكان المعد لجلوسها مع زوجها .. عندما رفع ابراهيم ( الفركة ) عن وجهها احست باحتباس انفاسه فنظرت اليه بخجل ... كان يبدو رائعاً بطوله الفارع الملفوف في ( توب السرتي ) بلونيه البيج والاحمر ... توسط جبينه العريض هلال ذهبي مربوط بقطعة من المخمل الاحمر ... احست بدقات قلبها تتصاعد في اذنيها .. واصابها دوار خفيف جعل بقية احداث الليلة مشوشة ... تتذكر منها لمسة ابراهيم على فخذها عندما همَ بقطع شعرات الرحط المربوط على خصرها ... كانت لمسة خاطفة اشعلت النار في حواسها المرتعدة ووعدتها بالكثير ..جعلتها تهيم في عالـم آخـر فاصبحت طقوس ( الجرتق ) كانها حلم افاقت منه على رذاذ اللبن الذي رشه ابراهيم بسخاء على وجهها ..
بدا الحفل بغناء حماسي رفرفت له القلوب وارتفعت العصى والسيطان عالياً ... اغمضت عينيها خوفاً وهي ترى حبيبها ينهال ضربا على ظهور اخوانه واقرباؤه واصدقاؤه المتلفحين بشجاعتهم وصمودهم امام لسعات (سوط العنج ) اللاهبة وهي تصلي الجلود العارية .. حتى حامد شقيق زوجها الصغير وقف بشجاعة متحملاً الضربات التي مزقت جلده الغض بلا رحمة ... ارتفعت حرارة المشاركة وزادت الحماسة عندما تعالت زغاريد النساء الفخورات وهي تمجد شجاعة رجالهن في تحمل الالم .. كان ( بطان ) حامي الوطيس ولم يتخلف عنه احد ...
بعد انتهاء الحفل جلس زوجها بقربها وهمس في اذنها ...

- السرة ... احنا حنسافر بكرة انشاء الله الخرطوم ... عارفك تعبانة شديد عشان كدة حاصبر لغاية بكرة ... ارتاحي الليلة ونومي كويس .. لانو لمن نصل هناك مافي نوم..

اخجلتها كلماته الموحية فلم تستطع الرد ولا مواجهة نظراته ...ضغط على يدها برفق وابتسامته تملا وجهه الوسيم ...

- انتي لسة بتخجلي مني يا السرة ؟؟ بعد دة خلاص مافي خجل بينا .. بجيك بدري خليك جاهزة ..

اختار ابراهيم فندق جديد مشيد في منطقة هادئة وجميلة ... عاشت فيه السرة ايام لن تنساها ابدا كانت خليط من المتعة والالم .. اختبرت فيها احاسيس لم تكن تظن انها تملكها ... تعرفت فيها على نفسها وكنوزها بصورة لصيقة ... عاشت اوقات من السعادة الخالصة التي جعلتها تندم على كل لحظة من عمرها مرت بدون وجود ابراهيم فيها ...
بعد عودتها الى القرية انتقلت الى بيت العمدة في جزء خصص لها .. وبدات تتعمق في تفاصيل حياتها الزوجية حتى خيل اليها انها كانت زوجة لابراهيم منذ الازل ... عندما انقضت سنة على زواجها .. تقدم ( بلة ) شقيق زوجها الاصغر لخطبة شقيقتها الصغرى ... وعندما انجبا اول طفل لهما بعد سنة اخرى من زواجهما بدأ الجميع يتساءلون عن سبب عدم انجابها هي وابراهيم ... وكانت بداية رحلة طويلة من العلاج استمرت ثلاث سنوات رفض خلالها ابراهيم كل الضغوط التي مورست عليه للزواج مرة اخرى بحجة ان السرة عقيم ولن تنجب له اطفال ...
عندما بدات اعراض الحمل تظهر على السرة لم تصدق نفسها واصرت على استشارة الطبيبة قبل ان تبشر زوجها الصابر الملهوف ... بكت بحرارة عندما تاكد حملها .. وافرغ ابراهيم عشرون طلقة من مسدسه في فضاء المنزل ... ذبحت العجول ووزعت على فقراء القرية ... وعادت البسمة الى وجه السرة .. حرص زوجها على ملازمتها طيلة الوقت واقتصرت سفراته الى العاصمة على الامور التي لا يمكن تخليصها من القرية ... كان حمل السرة يتقدم سلسلاً بلا مشاكل وبطنها يتكور باندفاع تباهت به بين نسوة الحي ... في نهاية شهرها السادس سافر ابراهيم الى العاصمة لعقد صفقة مع احد التجار ... غاب عنها لمدة اسبوع مر عليها كالدهر ... وفي اليوم المقرر لعودته استعدت لاستقباله بلهفة امراة عاشقة .. كانت تجلس على كرسي امام المرآة وهي تتزين بحرص ... جدلت شعرها الطويل بالطريقة التي يحبها زوجها .. كانت تبتسم لانعكاس صورتها وهي تمرر يدها على بطنها المنتفخ بحنان عندما تناهت الى سمعها اولى الصرخات الملتاعة ..
ركضت خارجاً تستقصى الامر وقد انقبض قلبها من صدى الحرقة والمرارة التي شابت هذه الصرخة ... عندما وصلت الى الحوش وجدت والدة زوجها مرتمية على الارض وهي تحثو التراب على راسها ووجهها ... بينما جلس عمها العمدة منهارا وقد انحنت قامته التي كانت دوما منتصبة بفخر وكبرياء ... كانت شقيقات زوجها يبكين بحرقة اخافتها فاقشعر جلدها وانتابتها مشاعر غامضة .. ما ان رآها الجميع في طرف الحوش حتى تزايد العويل باصوات وهمهمات لم تميز منها غير اسم زوجها .. تسمرت قدماها على الارض وبدات تهز راسها بعنف حتى ينزاح الكابوس الذي يجثم على صدرها ويكاد يسلبها روحها لكنه لم يختف ... بل اذداد حدة بوصول جيوش من البشر الذين تحلقوا حولها دون ان يجرؤ احد منهم على الاقتراب منها ... فقد بدت كالشبح وهي تسمع نعي زوجها الذي كانت تنتظر وصوله بفارغ الصبر ... دارت عيناها بذهول فيمن حولها .. ثم نظرت الى قميصها الجديد بلونه الاخضر الزاهي .. لقد ارتدته خصيصاً لعودة حبيبها ... لابد ان يعود ليراها وهي ترتدي اللون الذي يحبه ... لابد ان يعود ليرى طفله ... لابد ان يعود ...
فجاة امسكت بمقدمة القميص بيديها الاثنتين وشقته بكل قواها ... وقعت ارضا وهي تتدحرج في تراب الظهيرة الحار ... كان بطنها العاري يهتز وهو يرتطم بالارض كانه بالون ممتلئ بالماء ... حاولت بعض النسوة ايقافها .. لكن حزنها امدها بطاقة زئبقية فافلتت من كل محاولات التثبيت ... واذداد العويل حدة على الزوجة المفجوعة حتى شق صوت العمدة حشد النساء قبل جسده ... خلع عبائته وستر بها الجسد العاري وهو يثبتها وينهرها بصوت حازم ...

- السرة ... استغفري ربك ... البتسوي فيهو دة حرام ... استغفري ربك ...

لم تستجب لكلماته لانها انهارت بين ذراعيه وفقدت الوعي ..
ظلت السرة تقاوم واقع موت زوجها بالغياب في عالم آخر .. اعترى الخوف الجميع عليها وعلى جنينها خصوصا بعد مرور اسبوع كامل لم تفتح فيه عيناها الا للحظات قليلة تنظر فيها الى من حولها بتوهان ثم تعود الى عالمها دون ان تنبس بحرف ... استدعى العمدة امهر الاطباء من العاصمة في محاولة يائسة للحفاظ على حياة ارملة ابنه وحفيده ... كانت التشخيصات متشابهة ...

- ما تقلقوا يا جماعة .. دي ردة فعل نفسية معروفة بتعبر بيها عن رفضها لخبر وفاة زوجها ... بس لازم ننقلها مستشفى ويتعمل ليها نظام تغذية بالوريد حفاظا على سلامة الجنين ... انشاء الله بعد فترة حيبدا عقلها يتقبل الحقيقة ويتعامل معاها ...

نقلت السرة الى المستشفى في شندي وهي ممعنة في غيابها ... وعندما استعادت كامل وعيها وغادرت المستشفى بعد عشرون يوما .. قرر جنينها ان يغادر ملاذه الآمن في احشائها ويواجه العالم مع امه الحزينة ... ولد في شهره السابع ..طفل خديج ضعيف بالكاد يستطيع الصراخ ... وضع داخل جهاز لمدة شهر كامل ظل فيه متارجحا على خيط رفيع طرفه بيد السرة التي تحارب للحافظ على رائحة زوجها التي اورثها لابنه ... وطرفه الآخر بيد ابراهيم المتلهف لرؤية ثمرة حبه لزوجته في النهاية انتصرت ارادة السرة وعادت الى بيت العمدة وهي تحمله لتبدا مراسم العزاء مرة اخرى وتعيد تجديد عهد السرة مع الالم ...
- حبوبة !! انتي بتبكي ؟؟!! ...

انتفضت السرة وتبادلت نظرات مندهشة مع منال التي كانت تحمل طبق ملئ بالطعام بيد وزجاجة المياه الغازية بالاخرى ... دهشة السرة التي ظهرت في ملامحها كانت اكبر من انزعاج الحفيدة .. فهي لم تكن تتوقع ان يكون مخزون الالم في اعماقها بهذا الزخم والتوهج ... ظنت ان السنين قد حولت جمرها الى رماد .. وان الذكريات اصبحت باهتة ومترهلة كجسدها ... لقد ظنت ان حياتها مع حامد والتي فاقت الاربعين عاما قد طمست ذكرى خمس سنوات عاشتها مع ابراهيم ... ابتسمت بسخرية وهي تفكر بان سنين العمر كلها .. او ما بقى منها لن تستطيع ان تمحو من عقلها ذكرى الرجل الوحيد الذي احبته بكل احاسيسها ...

- مافي حاجة يا منال .. انا بس ما هاين علي فراق رحمة ...

عبست منال وخاطبت جدتها بلهجة مازحة ...

- اعملي حسابك يا حبوبة .. انا كدة حغير واقول انك بتحبي رحمة اكتر مني .. هسة لمن اعرس حتبكي علي ولا حتقولي بركة الاتحليت من البت المزعجة دي ؟؟

نهرتها السرة وهي تحاول ان تتمالك نفسها ..

- يا بت انتو كلكم عندي واحد وباحبكم قدر بعض ... ما سمعتي المثل البيقول اعز من الولد ولد الولد ؟؟

- طيب يا حبوبة يلا قومي اتعشي انتي الليلة من الصباح ما اكلتي كويس وصحتك ما بتتحمل صيامك دة ... يلا انا حاقعد معاك لمن تاكلي عشان نطلع برة سوا ... رحمة عاوزة تشوفك في الخيمة .. وقالت لو ما بتقدري تطلعي هي حتجي تقعد معاك جوة ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-29-2012, 11:22 AM   #19
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-10-
الفصل السادس

كان الحفل صاخبا كما هو متوقع من عرس في حوش ود العمدة .. انقسم الصيوان الكبير الى جزئين الرجال من جهة المدخل الرئيسي والنساء في الجزء الداخلي .. بينهما مساحة واسعة تعج بالاجساد التي تفرغ طاقتها في الرقص حيث تلاشت الحدود وتمازجت الانفاس وتلامست الكتوف وتباعدت
في منتصف الحلقة وقفت نعمات بجانب رحمة وزوجها وبلقيس وهي ترقص برزانة .. بقربها وقفت اميرة ابنتها الوسطى التي تماثلها قواماً وتميزت عن اختيها بلونها الذهبي الوهاج وتقاطيعها الجميلة لكزتها نعمات وهي تهمس في اذنها ..

- اخواتك وين ؟؟ ليه ما جوا يرقصوا مع بت اختهم ؟؟

- ما عارفة يا امي .. نادية ما شفتها من لحظة ما دخلنا مع رحمة .. وهادية انتي عارفاها بعد ما لبست الفستان ابت تمشي معانا للصورة وقاعدة جوة اوضتها وقالت ما طالعة الحفلة ..

ظهرت علامات الغيظ على وجه نعمات وهي ترفع يدها الممتلئة بالحى الذهبية وهمست مرة اخرى في اذن اميرة ...

- تعرفي البنات ديل حيعملوا لي جلطة ... امشي فتشي نادية وخليها تجيني هنا سريع وادخلي لهادية قولي ليها امي قالت ليك لو ما جيتي طالعة هسة دي شوفي الليلة حيحصل ليك شنو .
كان البحث عن نادية مهمة صعبة في الصيوان الكبير ووسط الجموع الراقصة .. لذلك قررت اميرة احضار هادية اولا حتى تطفي غضب امها ثم تتفرغ للبحث عن نادية التي اختفت بصورة غامضة عقب دخولهم مع رحمة .. بدات تشق الزحام تلاحقها العيون المعجبة بجمالها الآسر وجاذبيها الطاغية الكامنة في عيونها العسلية الواسعة وخطواتها الرشيقة والغمازتان العميقتان اللتان تنغرزان باغراء في خدودها عند اقل تعبير في وجهها .. بدات نظراتها تدور في مسح سريع بلا تركيز وهي تامل في مصادفة شقيقتها الكبري ... تعثرت خطواتها وكادت تسقط لولا يد قوية ثبتتها ... رفعت راسها لتشكر منقذها فاحتبست الكلمات في حلقها عندما تصادمت عيناها بعيني (عمار ) ابن شقيقة السرة ... لقد التقيا في عدة مناسبات عائلية .. واحست بشرارات تندلع كلما تصافحا ... لم يكن وسيماً بالمعنى المتعارف عليه ... لكنه محاط بجو رجولي غامض لفت انتباهها واثار اعجابها منذ زمن طويل .. لكنها لم تكن تجرؤ على التفكير فيه او الافصاح عن مشاعرها لاي كان ... فهو يحمل رائحة زوجة ابيها التي تبغضها امها اكثر من أي شئ آخر تعرفه ... سحبت يدها من قبضته القوية بنعومة وهي تهمس ..

- شكرا يا عمار .. معليش ما كنت منتبهة قدامي بفتش على نادية .. ما شفتها ؟؟

عندما هز راسه نفيا حاولت ان تواصل طريقها لكنه لم يتزحزح عن دربها وثبت نظراته في وجهها الفاتن وانتشرت ابتسامته حتى عمق عينيه وهو يتاملها بدقة ..

- كيفك يا اميرة ؟؟ .. انا من قبيل باحاول اوصل ليك وما قادر لانك واقفة جنب خالتي نعمات .. عاوز اتكلم معاك في موضوع مهم ..تعالي نرقص عشان تبقى وقفتنا مع بعض عادية ...
فزعت اميرة من طلبه ... نعمات غاضبة بما فيه الكفاية من اختفاء شقيقتيها ... ولن تغامر باثارة غضبها اكثر فاعتذرت بسرعة ...

- معليش يا عمار .. امي مرسلاني وما بقدر اتاخر عليها ... خليها وقت تاني ..

- خلاص موافق بس اوعديني ما تزوغي مني زي كل مرة .. انا محتاج فعلا اتكلم معاك والموضوع بيهمك زي ما بيهمني ...

نظرت خلفها بقلق وهي تامل ان لا تلتفت امها وتراها برفقة عمار ..حاولت اختصار الكلام..

- والله ما بزوغ يا عمار ولو ما لقيت فرصة الليلة بكرة حنتكلم .. انت حتقعد للصبحية ولا ماشي ؟؟

- حتى لو مشيت بجي راجع مخصوص عشانك .. خلاص اتفقنا ؟؟ وبرضو بتمنى تجي ترقصي معاي ..

هزت راسها بشرود وهي تتفادى جسده الذي يسد طريقها ... ارتعدت حواسها من عمق نظراته وما تحمله من حديث سري لم يغب معناه عن قلبها ... وكان هو ينظر الى غمازتيها العميقتين .. واحس برغبة قوية في ان يضع اصابعه داخلهما ... رفع يده بحركة لاشعورية .. لكن اميرة كانت قد هرولت واختفت خلف البوابة الكبيرة ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-29-2012, 11:26 AM   #20
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-11-
كان منزلهم يبعد قرابة المائة متر من البيت الكبير الخاص بزوجة ابيها .. وبرغم محاولات نعمات المستمرة باقناع زوجها بناء سور يفصل البيتين عن بعضهما ... الا انه رفض بصورة قاطعة .. وكانت اجابته الحاسمة في كل مرة تعيد نعمات طلبها ..

- آخر شئ اعمله اني ابني حواجز اسمنت بين بناتي .. مش كفاية الحواجز العملتوها انتي والسرة ؟؟
كان منزل ابراهيم الاقرب اليهم فحرصت نعمات على توطيد علاقتها مع زوجته ( حبيبة ) نكاية في ضرتها ... حتى بنات ابراهيم كن اقرب اليهن من اخواتهن .. دخلت المنزل الهادئ واتجهت من فورها الى غرفة هادية ... وقبل ان تدخل من الباب المنفرج تناهى الى سمعها صوت بكاء مكتوم .. لابد ان شقيقتها الصغرى تمر باحدى نوبات اكتئآبها ... فتحت الباب ونظرت اليها باشفاق .. كانت تجلس على الارض باستسلام وقد اتكا ظهرها على خلفية السرير العالية .. امامها تناثرت اطباق الطعام وتبعثرت بقاياه حولها بفوضى ... سيطر على جو الغرفة رائحة البيض المسلوق فاصبحت خانقة .. انتشر فتات الخبز والجبن وملا الفستان الزهري الذي تلطخ ببقع زيت الاطعمة ... كان اوداجها منتفخة بالطعام الذي لم تكن تمضغه بل تبتلعه بسرعة تتبعها بجرعات متتالية من زجاجات المياه الغازية المتراصة حولها .. كانت تاكل وتبكي في نفس الوقت ... عندما احست بحركة الباب رفعت وجهها ونظرت الى شقيقتها بحقد وخاطبتها بتحدي ...

- عاوزة شنو يا اميرة ؟؟ خليتي الحفلة وجيتي ليه ؟؟ وبتعايني لي كدة مالك ؟؟ عمرك ما شفتي ليك زول بياكل ؟؟

حاولت اميرة ان تعتصم بهدوءها المعروف امام ثورة هادية ..

- امي بتسال عليك وقالت ليك تعالي برة .. واكيد هسة رحمة زعلانة منك لانك ما رضيتي تمشي مع الشباين ...ولا حتى جيتي باركتي ليها ...
نهضت هادية بتثاقل وهي تتكئ على ركبتيها ويديها .. وبدات تقطع المسافة بينها وبين اميرة بخطوات متكلفة ... وهي تتكلم بلهجة ممتلئة مرارة ...

- عاوزيني امشي مع الشباين ؟؟ طيب ايه رايك في المشية دي ؟؟ رهيبة مش كدة ؟؟ زي مشية الدب .. ولا اقول مشية الفيل احسن ؟؟ انتو عاوزين الناس كلها تضحك علي وتقول شوفوا خالة العروس السمينة ؟؟ ولا عاوزني امشي جنبكم عشان رشاقتكم وحلاوتكم تبين ؟؟ انا من الاول قلت ليكم ما عاوزة احضر العرس ولا ابقى شبينة .. انتو الاصريتو تخيطوا الفستان عشان تختوني امام الامر الواقع ... اها الفستان دة هاك ليهو ؟؟؟

مدت يدها الممتلئة وانتزعت بعنف الوردة المثبتة في اعلى الكتف .. رمتها ارضا وهي تدوس عليها بكلتا قدميها .. احمرت عيناها انفعالا وبدا جسدها الضخم يرتعش من الغضب ..

- امشي قولي لامك هادية قالت ما عاوزة تحضر الحفلة وما حتطلع برة مهما حصل .. وما تنسي تقولي ليها اني قاعدة آكل وعدي ليها الصحون وقزاز البيبسي .. اجري يا رشيقة يا حلوة احضري الحفلة وارقصي وخلي اختك الدبة قاعدة في مكانها ...
احست اميرة بالم ينغرز في احشائها كالسكين وهي ترى بؤس هادية وكآبتها ... كانت طفلة عادية ممتلئة قليلا عن قريناتها اللائي يماثلنها سناً ولكن ليس بصورة شاذة ... بدات مشاكلها مع اعتاب مراهقتها عندما زاد وزنها تدريجيا حتى وصلت الى حجم مخيف مما جعلها انطوائية وعدوانية وتفضل العزلة ... واصبحت تتحدى قرارات نعمات لتنظيم وجباتها بمزيد من الافراط في الطعام ... بمرور السنين تفاقمت مشكلتها النفسية والجسدية ... وزاد الامر سوءاً الاسلوب الساخر الذي تعامل به الناس مع حجمها خاصة زميلات المدرسة حتى باتت تكره الدراسة وتتعلل بالمرض معظم ايام الاسبوع .. تتابع هبوط مستواها الدراسي حتى وصلت الى آخر القائمة .. ثم قررت هجر المدرسة والبقاء في المنزل دون ان تهتم بالضغوط التي مارسها عليها الجميع للعدول عن رائيها ... حتى حامد المتباعد عن مشاكل بناته تدخل بناء على الحاح نعمات وامرها بالذهاب الى المدرسة .. يومها استشاطت هادية غضبا وواجهت والدها بما لم تستطع أي واحدة من بناته قوله له ...

- غريبة يا ابوي !! اول مرة اشوفك تهتم بمشكلة تحصل في البيت دة لواحدة فينا ... الحصل شنو ؟؟ ما كنت دائما بتخلي امي تحل مشاكلنا وتشوف طلباتنا ... دة حتى احنا ما بنشوفك معانا هنا الا كل وين ووين ..كأننا ما بناتك .. كأننا اغراب انت مكلف بس تصرف عليهم ... اها المرة دي يا ابوي القروش ما حتحل ليك مشكلتي ... لا انت ولا امي ولا أي زول في الدنيا دي حيقدر يجبرني امشي المدرسة تاني ..

وكانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب احدى بناته ... صفعها بقوة حتى وقعت ارضاً وهي تبكي بحرقة .. ولم يجرؤ احد على الاعتراض ... وحسم هذا الموقف النقاش للابد .. لقد مرت مرت سنتان على هذه الحادثة لازمت فيهما هادية المنزل لا تفعل شيئا سوى الاكل ... والبكاء ...
عدلت اميرة عن محاولة اقناع شقيقتها بحضور الحفل عندما رات لمعة الغضب والتحدي تطل من عينيها .. فتركتها واتجهت الى الباب وهي تتمتم ..

- على كيفك يا هادية ... اعملي الشئ البيريحك ..

واتاها الرد المتهكم من خلفها ..

- ما اصلوا على كيفي .. وبعمل الشئ البيريحني .. اقفلي الباب دة وراك وتاني ما تدخلي اوضتي لو ما خبطتي الباب ..

المواجهة مع هادية ملاتها ياساً فخرجت بخطوات بطيئة وهي تفكر ماذا طلبت منها والدتها ؟؟!! ..
ثم تذكرت ... نادية .. يجب ان تبحث عن نادية المختفية منذ بداية الحفل ..كانت تقطع المساحة المزروعة بالحشيش بخطوات سارحة عندما اصطدمت بها فتاة منطلقة بسرعة ..كانت زينب ابنة حبيبة تلعب مع مجموعة من البنات وهن يتقافزن هنا وهناك ويملان الارض بقطرات المطر المصنوع من فوران زجاجات المياه الغازية المرجوجة بعنف ... امسكتها اميرة من كتفيها ..

- زينب .. ما شفتي عمتو نادية ؟؟...

هزت ابنة العشر سنوات راسها بعجلة وهي تحاول التملص من قبضة اميرة واللحاق بقريناتها .. ثم فجاة رفعت راسها ...

- ايوة اتذكرت يا عمتي ... قبيل شفتها ماشة على جهة بيت الاشباح ..
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 06:15 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات