العودة   ~ منتديات مدينة سنجة ~ > ®¤*~ˆ° الادب والفنون ®¤*~ˆ° > القصص والحكايات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-03-2012, 05:11 PM   #31
هيثم قوته
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,064
افتراضي

اللخمي سلامات وتحيات طيبات

رغم البعد في الايام الماضيات عن سنجه سيتي
الا ان حوش بنات العمده يمر بشريط الذكريات كلما اتذكر المنتدى
واعزم ان الج الي داخل الحوش واتابع ان قدر لي الدخول للمنتدى
واقول احتمال اجي الاقي جاكلين يقت مسلمه وفي بالي وعدك يا اللخمي لي ..

تابعت الاجزاء التي فاتتني .. وان جاط راسي في تداخل الاسماء والاحداث
لكني عزيته للكبر وتقدمي في السن ..

التحيه ليك وانت تواصل كما وعدت دون كلل او ملل .. او متابعه من الكثيرين

واصل وتأكد اننا في الجوار
__________________
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
هيثم قوته غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-04-2012, 11:32 AM   #32
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

لك التحية أخى هيثم وانت تدفعنا الى الامام
ولك منى الشكر أجزله ومعاً الى نهاية الرواية
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-04-2012, 11:38 AM   #33
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-18-
إستعادت حبيبة ذكرى ليلة شتوية قارسة البرودة ... صوت الريح يعوي بضراوة في الخارج .. تصده الجدران الطينية فيناور ويتسلل من شقوق الابواب والنوافذ الخشبية مشيعاً البرودة في المنزل الصغير محتدياً كومة الفحم التي اشعلتها العينة ووضعتها في ( الكانون ) القصير وغذتها باعواد سميكة من اخشاب الشاف والطلح .. فصمدت الرائحة وانهزمت الجمرات بعد ان تغطت بطبقة كثيفة من الرماد حجب حرارتها .. احتست حبيبة العشرات من كؤوس الشاي الاحمر المخلوط بالقرنفل في محاولة يائسة لمحاربة البرد والنعاس .. لا مجال للنوم فامتحانات سنتها قبل الاخيرة بكلية التربية على الابواب وما زال امامها الكثير لتستذكره .. كانت تجلس في منتصف سريرها محاطة بالكتب والدفاتر بينما تقترب الساعة من الحادية عشر ليلاً... لقد ظلت من المتفوقات منذ ان وطات قدماها ارض الجامعة برغم العوامل المحبطة التي تعيشها .. ارادت الحصول على شهادتها حتى تخرج من اسر الظروف التي تحيط بها ولكي تزرع الفرحة في قلب والديها بعد ان رفض شقيقها الاكبر عبد الستار مواصلة الدراسة وفضل الالتحاق بالجيش ... كانت قد احست بامتلاء مثانتها منذ وقت طويل لكنها تجاهلت الامر حتى تؤجل المشوار الصعب الى دورة المياه في آخر الحوش خوفا من مواجهة البرد والظلام في الخارج ... مع مرور الدقائق اصبح نداء الطبيعة اكثر الحاحاً ولم يعد بامكانها تاجيل المشوار البغيض ... كانت قد سطت على خزانة والدها واستولت على بنطلون قديم ربطته في وسطها تحت الرداء السميك باحدى احزمة عبد الستار .. استعارت جوارب عبد الرزاق المدرسية ودست قدميها في الخف الجلدي ... حملت غطاء سريرها وتدثرت به ثم استجمعت شجاعتها وفتحت الباب المؤدي الى الحوش ...
كان القمر بدراً ينعكس نوره على قمم الاشجار ويمدد الظلال المتراقصة على عزف الريح المجنون ... اصطكت اسنان حبيبة عندما صفعها الهواء الثلجي فرفعت الغطاء حتى راسها وامسكته بقوة تحت ذقنها وهي تقطع المسافة عدواً ... اضاءت النور الاصفر الشاحب وهي تتمتم بآيات قرآنية في سرها ثم دخلت ... عندما خرجت كانت تلعن نفسها على شرب هذه الكمية الكبيرة من الشاي ... فوجئت بالسكون الغريب لصوت الريح .. اخافها الصمت فبدات تركض رجوعا عندما تناهت الى سمعها صرخة مكتومة متالمة ... بدا لها الصوت شبيها بصوت شقيقها عبد الرزاق ... تجمدت خوفاً وهي تتساءل ان كانت واهمة لان شقيقها خرج برفقة ابراهيم منذ العصر لزيارة بعض الاصدقاء ... فبعد التحاق عبد الستار بالجيش توطدت العلاقة بين ابراهيم وعبد الرزاق بصورة غريبة واصبحا كالجسد وظله لا يفرقهما الا النوم ... كانت اكثر الناس سعادة بهذه العلاقة التي تتيح لها رؤية ابراهيم كل يوم .. حبيبها الغافل عن مشاعرها نحوه .. لم تستطع لومه على غفلته ... الفارق بينهما يغطي نظره ويحجز احاسيسها عن الوصول اليه ... قد يصادق اخوانها .. لكنه ابدا لن يفكر فيها .. هي بالنسبة اليه فقط حبيبة ابنة بخيت والعينة ...
اتتها الصرخة مرة اخرى مصحوبة باحتجاجات مبهمة حجبها صوت الريح التي استعادت نشاطها وسيطرتها على الجو .. ترددت حبيبة وهي تقدم قدم وتؤخر الاخرى في محاولة لاقناع نفسها بان الاصوات التي تسمعها مجرد خيال .. لكن الريح بين سكونها وهبوبها حملت اليها الاصوات مرة اخرى أكثر وضوحاً .. فحسمت ترددها وبدات تخطو نحو مصدرها ..
كانت تسير بمحاذاة الحائط على اطراف اصابعها .. واستدارت مع الزاوية دون ان تعرف سببا لحذرها ... واجهتها راكوبة القنا المتقاطع التي شيدها عبد الستار منذ زمن بعيد وخصصها مكانا للعب وحفظ حاجياته البسيطة ومن خلال الفتحات المثلثية رات المشهد الذي غيّر حياتها الى الابد ..
كان ابراهيم وعبد الرزاق ملتحمان في رقصة عنيفة ... غامضة ... لم تر من هيكل شقيقها غير يداه المرفوعتان اعلى راسه على الحائط المواجه له وهما تنقبضان وتنبسطان تبعا لحركات ابراهيم المحمومة بينما اختفى بقية جسده الضئيل خلف جسد ابراهيم الفارع الذي بدا غريبا بقميصه القصير وبنطاله الواقع تحت قدميه .. تسببت شهقتها العالية في بتر الرقصة المتناغمة وانفصال الجسدين من التحامهما الحميم ... تسمرت قدماها ولم تستطع الهرب وتفادي المشهد المخزي الذي يدور امامها .. عندما التفت الاثنان برعب وجداها تقف كالتمثال بعيون باكية وفم مفتوح .. برغم البرد القارس كانت قطرات العرق تلمع في جبين ابراهيم وتنحدر ببطء على عنقه وصدره ... بينما بدا عبد الرزاق بسنوات عمره التي تجاوزت العشرين بعدة سنوات كطفل صغير حطم اواني امه المفضلة ... امتلات عيناه الصغيرتان بالدهشة ... والخوف والخجل .. تدلت شفتاه الغليظلتان ببلاهة بينما كانت يداه المرتعشتان تجاهدان لالتقاط بنطاله ووضع حاجز بين نظرات اخته الخاوية وجسده العاري .. باءت محاولته لستر نفسه بالفشل وظل فترة من الزمن يحجل حائرا ... اخيرا حمل بنطاله الملئ بالتراب غطى به موضع خجله وفر هارباً خلف سور الاشجار الذي يفصل بين عالمهم ... وعالم ابراهيم ..
اصبحت المواجهة بينها وبين الرجل الذي احبته بصمت منذ سنوات مراهقتها الاولى ... كانت تنظر اليه دون ان تراه .. لقد غرقت داخل روحها وهي تحس بالصنم الذي بنته له في احاسيسها يتفتت ويتهاوى ويملا اعماقها بتراب نتن .. كان يقابل نظراتها بعيون مفتوحة على اتساعها .. جامدة لا يرف لها جفن .. عيون ميتة لا حياة فيها ... احست بالريح تخترق مساماتها وتتغلغل الى دواخلها وصمّ عوائها اذنيها .. ارتعشت بعنف وسياط دموعها تجلد خديها بحرارة تتحدى البرد الذي استوطنها ... خفض ابراهيم عينيه ورفع بنطاله بهدوء ... غطى صدره المفتوح و تحرك بخطوات ثابتة ... تجاوزها مطرقاً ثم اختفى خلف سور الاشجار يتبعه مزيج غريب وخانق من رائحة عطر نفاذ مخلوطاً برائحة العرق ...
لم تدر كم من الوقت ظلت مسمرة في مكانها .. لقد فقدت الاحساس بالزمان والمكان وكل الاشياء التي تحيط بها ... لذلك اصابتها الدهشة صبيحة اليوم الثاني عندما اكتشفت انها في سريرها ...لم تتذكر كيف ولا متى عادت الى الداخل ..اوهمت نفسها بان ما راته لم يكن حقيقيا ... انه مجرد كابوس مخيف وقد انتهى باستيقاظها ... لكن رائحة ابراهيم ما زالت عالقة بانفها ... نظرات شقيقهاوالاصوات التي سمعتها ... كل هذه الاشياء تؤكد انه لم يكن حلماً .. بل واقع مؤلم ..جارح .. قبيح ..
كانت تلك الليلة آخر مرة ترى فيها عبد الرزاق ... لقد اختفى شقيقها ولم يترك وراءه اثر يقتفى .. كانه لم يكن يوما موجودا ... واصلت الشرطة البحث لفترة طويلة بتشجيع من ود العمدة المشفق على بخيت والعينة .. كان ياتي يوميا للسؤال عنهم يرافقه ابراهيم الذي نفى علمه بمكان صديقه المختفي والعينة تساله كل مرة بالحاح الام المفجوعة ...

- ابراهيم يا ولدي انت متاكد انو ما قال ليك ماشي وين ؟؟ انتو كنتوا اصحاب ما بتتفارقوا وسرو كلو معاك .. ما وراك لو في زول شاكلو من اصحابكم ؟؟ ..

كان يرد عليها بثقة وهو ينفي علمه بمكان عبد الرزاق او اسباب اختفاؤه بينما عيناه تواجهان عيني حبيبة الصامتة بتحدى وحذر ... كانت احيانا تلحظ نظرة متواطئة بين ابراهيم وعبد الستار الذي حضر من ثكنته للمشاركة في البحث عن شقيقه .. كانت نظرة غريبة ..تعبر الفضاء بينهما وهي تطلق شرارات من الحقد والتسامح والكراهية والحب ...مما جعل حبيبة تتساءل عما يدور بينهما ...
مرت الايام .. وتقلصت حدة المرارة الاولى لغياب شقيقها ... تخرجت من الجامعة بتقدير متوسط بعد ان هدم ما حدث رغبتها في التفوق ودافعها للنجاح ... فمنذ تلك الليلة ... فقدت الاشياء بريقها .. انكسرت روحها وتبعثرت احلامها وخيمت على حياتها سحابة رمادية كئيبة .. لقد خنقها السر الاسود الذي تحمله وصبغ عالمها بطعم مالح ... فجيعتها المزدوجة في شقيقها والرجل الذي احبته كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال ... اجبرت نفسها على قبول وظيفة معلمة في المدرسة الثانوية المجاورة لبيتهم حتى تشغل نفسها عن التفكير واستعادة تلك الذكريات التي قلبت عالمها راسا على عقب ...
كانت الذكرى الثانية لاختفاء عبد الرزاق موعداً لانفجار قنبلة اخرى بعثرت ما تبقى من حياتها ... حضر ابراهيم بمفرده وطلب يدها من والدها ... كانت دهشتها اكبر من فرحة العينة وخوف بخيت فرفضته بلا تردد ... برغم ان حبها له لا زال يراود قلبها بين حين وآخر ... الا ان ذكرى الرقصة المخزية التي شهدتها كانت تغمرها بحضورها كلما حاولت نسيانها ... تزيح الحب لتترك قلبها مليئا بالغضب والمراراة ...
جزعت امها لرفضها الفوري المقرون باستهجان رمته في وجه ابراهيم الذي جلس هادئا وهو يحاول طمانة بخيت المتوجس من هذا الطلب وظل يسال بالحاح ...

- ابراهيم يا ولدي .. امك وابوك عارفين انك جاي تخطب حبيبة ؟؟؟ موافقين على الموضوع دة ؟؟ ليه ود العمدة ما كلمني ؟؟ لو كان ناداني انا كنت مشيت ليهو لغاية عندو ...

لحظتها انفجر غضب حبيبة من الذلة الواضحة في ملامح والدها فصاحت ..

- ابوي !! .. كيف يعني تمشي ليهو ؟؟ ولدو عاوز يخطب بتك وانت التمشي ليهو ؟؟ وبعدين لا تمشي ولا يجيك ... انا ما موافقة .. وما عاوزة اعرسك يا ابراهيم .. ولو بقيت آخر راجل في الدنيا دي ما حعرسك ... انسى الموضوع دة تماما وشيلو من راسك ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-04-2012, 11:40 AM   #34
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-19-
نهرها بخيت بفزع ...

- اسكتي يا بت يا قليلة الادب يا عديمة التربية .. معليش يا ابراهيم البت دي غبيانة ساكت وما عارفة بتقول شنو ... والله ود العمدة يناديني الا اجري ليهو حفيان ... دة سيدي وولد سيدي وتاج راسي ولحم اكتافي من خيرو .. وجمايلوا مغرقاني من راسي لرجليني ...

قاطعه ابراهيم وهو يواجه حبيبة بنظرات متحدية ...

- عم بخيت ... اهدا وخلي حبيبة دي عليَ .. انا بعرف كيف اقنعها ... المهم انت وخالتي العينة موافقين ؟؟

همس بخيت بانكسار ...

- عاد يا ابراهيم يا ولدي إنت بتترفض ؟؟ إنت ولد الحسب والنسب ... لكن بس انا عاوز اعرف امك وابوك موافقين ؟؟ ...

رد ابراهيم بلامبالاة ...

- امي وعم حامد عاوزين سعادتي .. والشئ البرضيني لازم يرضيهم ... انا شايف سعادتي ورضاي مع حبيبة ... احنا اتربينا مع بعض وانا باعرف كل حاجة عنها وهي بتعرف كل حاجة عني ...

ضغط على كلماته الاخيرة ونطقها ببطء متعمد وهو يغرز نظراته المتحدية في عمق عينيها ...

- يعني يا عم بخيت انا ما محتاج افتشكم ولا انتوا حتفتشوني ... وانا ما حالقي احسن من حبيبة وهي ما حتلقى احسن مني .. اها قلتوا شنو ؟؟ ...

ردت العينة بفرحة لم تستطع اخفاءها ..

- بالحيل يا ولدي .. حبيبة ما بتلقى احسن منك ..

صدرت صرخة غيظ وتمرد من حبيبة الغاضبة التي رمقت الجميع بحدة ثم اعطتهم ظهرها وغادرت الغرفة على عجل ..
في اليوم التالي لزيارته فوجئت به واقفا امام باب المدرسة حيث تعمل .. كان متكئا على سيارته باهمال وهو يلهو بسيجارته بين اصابعه متجاهلاً نظرات الاعجاب الموجهة اليه من الطالبات المفتونات بوسامته وسيارته الفارهة ... تبادلا نظرة طويلة قبل ان يرمي بعقب السيجارة ويسحقه بقدمه وهو يتجه اليها .. تكلمت معه عبر اسنان مطبقة فأتت عبارتها هامسة .. حانقة ...

- بتعمل شنو هنا يا ابراهيم ؟؟ .. الجابك شغلي شنو .. انت عاوز تحرجني قدام الناس وتعمل لي فضيحة ؟؟ انا مش قلت ليك امبارح اني ما حعرسك ؟؟

رد عليها بلامبالته التي تبغضها ...

- انتي عاوزة تناقشي الموضوع دة هنا ؟؟؟ في نص الشارع وقدام الناس ديل كلهم ؟؟ !!

دارت نظراتها لتصطدم بالكثير من العيون الفضولية المندهشة ...واحست بالحرج الشديد عندما تناهت الى سمعها العبارات الهامسة ...

- دة منو الزول السمح الوافقة معاهو ست حبيبة دة ؟؟!! ...

كانت المقارنة بين مظهريهما محبطة .. هي بلونها الداكن وشعرها الاكرت القصير وانفها الافطس وهو بلونه الذهبي وشعره الناعم .. ملامحه الوسيمة وقامته الفارعة ... أحست بالضآلة وغرقت داخل احساسها بالدونية امامه ... استدارت لتنصرف فامسك بذراعها بقوة جعلتها تشهق ... حاولت ان لاتثير مشهدا امام طالباتها وزميلاتها فالتفتت اليه برجاء ...

- ابراهيم .. فك ايدي وخليني امشي .. كفاية العملتو لغاية هسة ... هسة الناس حيقولوا عليّ شنو ؟؟ تلميذاتي حيفكروا فيني كيف ؟؟ ...

تمسك بذراعها اكثر وهو يقودها تجاه السيارة ..

- ولا شئ .. قولي ليهم دة خطيبي وجا عشان يرجعني البيت .. أنا متاكد كتار منهم حيحسدوك ... اركبي خلينا نمشي لاني ماناوي امشي من غيرك ... انا عاوز اتكلم معاك شوية وفي مكان هادئ ..
اذعنت لامره على مضض حتى لا يزداد الوضع سوءاً وهي تفكر في التبرايرات التي يجب ان تقدمها غداً لزميلاتها عن ابراهيم واسباب ركوبها سيارته ... رفضت بعناد ان تنزل الى أي كافتريا اختارها .. فاوقف ابراهيم سيارته تحت شجرة ضخمة في بقعة هادئة مواجهة للنيل .. اشعل لفافة تبغ ثم استدار ليواجهها ...

- حبيبة انتي ليه رفضتي تتزوجيني ؟؟!!...

ردت عليه بحدة ...

- انت بتستهبل ولا شنو يا ابراهيم ؟؟!! يعني ما عارف رفضتك ليه ؟؟ طيب خليني انا اسالك سؤال ... انت ليه اخترتني انا بالذات دونا عن باقي بنات الدنيا كلها عشان تتزوجني وانت عارف الفروقات البينا ؟؟ ولمن انت عاوز تتزوج ليه ما خليت امك تخطب ليك واحدة من بنات الحسب والنسب الفالقة بيهم راسنا ؟؟ وليه مصر عليَ انا بالتحديد خصوصاً بعد الشئ الانا شفتو وبسببه عبد الرزاق هرب ؟؟ انت قايلني عويرة ؟؟ جاهلة ؟؟ ما بفهم ؟؟

كان هوانها يتصاعد وذكرى الرقصة المحمومة تقفز امام عينيها باصرار ... تهدج صوتها وصار اقرب للبكاء .. كانت ترغب في ايلامه لانه تسبب في هروب شقيقها ... ارادت ان تعاقبه لانه قام بتدمير الصنم الذي بنته له بداخها وظلت تعبده سراً لسنوات طوال ... هاجمته بضراوة ...

- هو انت اصلاً ياابراهيم بنفع تعرس ؟؟ يعني ممكن تعيش حياة زوجية طبيعية مع أي واحدة ؟؟؟ ولا يمكن عشان كدة اخترتني وقررت تتزوجني ... حبيبة المسكينة بت خادم ابوك وجدك... البت الشافتك مع اخوها في احقر وضع ممكن يتشاف فيهو بني آدم وبعد داك سكتت وما قالت كلمة واحدة .. يمكن قلت لنفسك طالما هي سكتت عن الموضوع دة يبقى ما بيهمها ؟؟!! ... ويمكن كمان قلت دي ما حتصدق اني اقول عاوزها وحتوافق طوالي ؟؟ ... لا يا سليل الحسب والنسب .. اول شئ انا ما سكت عن موضوع عبد الرزاق عشان خاطرك ولا خوفا منك .. انا سكت عشان خاطر امي وابوي لانهم لو عرفوا الحقيقة ممكن يموتوا فيها ... وتاني شئ اذا انت مفتكر انك اول ما تقول دايرني حجيك جارية واقول ليك شبيك لبيك انا بين ايديك تكون غلطان .. تالت شئ اذا انت متخيل انكم لسة بتملوكنا ولازم ننصاع لاوامركم تكون واهم .. عهد الاقطاع دة انتهى زمان ... واحنا قاعدين معاكم بس عشان ابوي مصر ما يفارق ابوك بدافع ولاء غبي وما عندو معنى ... وبعدين يا ابراهيم انا لمن اجي اعرس بكون عاوزة ارتبط براجل كامل مش نص راجل .. راجل احترمه واثق فيه ... وانت فاقد لكل الحاجات دي ...
انقطعت انفاسها وفقدت السيطرة على دموعها فسالت باندفاع ... دل ارتعاش جسدها على غضبها العارم فغطت وجهها بيديها وانخرطت في بكاء حاد ... تركها تفرغ انفعالاتها حتى هدأت ... ساد السيارة صمت ثقيل لا يبدده سوى هسيس احتراق لفافة التبغ التي يدخنها ابراهيم بعصبية .. عندما رفعت وجهها اخيرا ونظرت اليه هالها وجهه الشاحب الممتقع ... كانت يداه ترتعشان وهما تشعلان اللفافة الخامسة منذ بداية الجلسة المؤلمة ... نظر اليها بامعان ..

- خلاص خلصتي كلامك يا حبيبة ؟؟!! .. ممكن انا اتكلم ؟؟...

هزت راسها بصمت وركزت نظراتها على مركب شراعي صغير يتهادى بعيدا عن الشاطئ ... بدا حديثه بصوت خفيض وبلهجة تتمايل بين الحدة ... والضراعة ...

- عارفة يا حبيبة انا عاوز اعرسك ليه ؟؟ .. عشان اكون على طبيعتي .. بدون ما البس قناع يدس حقيقتي .. بدون ما اتظاهر اني انسان تاني ... معاك بحس بالامان وبدون خوف من انو سري يتكشف ولا اتفضح ... انا عاوز اعرسك انتي بالتحديد لانك جزء من مأساتي الانا عايشها من طفولتي ... تفتكري يا حبيبة انا اتولدت كدة ؟؟؟ لا .. لانو مافي انسان بتولد كدة ... احنا اتربينا مع بعض في حوش واحد .. وانا قعدت في بيتكم اكتر مما قعدت في بيتنا ... يعني لو الوصلت ليهو هسة دة بسبب غلط في تربيتي يبقى من بيتكم ما من بيتنا ... واذا بتفتكري اني ولد بايظ حقول ليك ايوة انا ولد بايظ .. ومن زمان شديد ... لكن ختي في بالك انو الاولاد هم البيبوظوا الاولاد وانتي عارفة بيتنا كلو بنات .. ما تتخيلي اني بقول ليك الكلام دة عشان الوم اخوانك ولا ابرئ نفسي الحصل حصل من زمان وخلاص انتهينا منو ... المهم اني بقيت كدة .. وما بقدر اتغير دة بس عشان تكوني عارفة انو حتى بعد ما نتزوج انا حافضل كدة الا اذا انتي قدرتي تغيريني وتطلعيني من الشئ دة ...

استنشق نفساً طويلا من لفافته .. واخرجه بتدرج من فمه وهو ينظر في عينيها مباشرة ..

- السبب التاني الخلاني افكر فيك انتي بالتحديد هو حبك لي ..
شهقت حبيبة بصوت عال عندما سمعت جملته الاخيرة .. التفتت لتنكر الاتهام الصحيح الذي ظنت انه سرها وحدها .. فرفع ابراهيم يده مقاطعا نيتها ..

- انتي كنتي قايلاني ما عارف ؟؟ قايلاني ما حاسي بيك ؟؟ انا عارف وحاسي من زمان يا حبيبة وكنت مبسوط بحبك لي لاني كنت متاكد انك بتحبيني انا ابراهيم .. لشخصي مش عشان ابوي منو .. ولا عمي منو .. ولاعندنا شنو ... حبيبة .. انا لو عاوز اعرس أي بت من اجعص البيوت هنا ولا في البلد بقدر .. عارفة ليه ؟؟ لانو الناس ليها بالظاهر .. وانا قدام الناس فارس الاحلام .. امنية أي بت .. لكن انا ما عاوز أي بت انا عاوزك انتي ... لانو انتي الوحيدة الحتفهميني ...

اصطبغ صوته بسخرية غريبة وهو يواجهها ..

- يا زولة احنا بينا حاجات مشتركة كتيرة ما محتاج اعدها ليك .. لكن حاقول ليك بس كفاية يكون بينا عبد الرزاق وعبد الستار ...

انتاب حبيبة خوف مبهم من اسلوبه وردت عليه بوهن ...

- عرفنا عبد الرزاق !! .. مالك كمان بعبد الستار ؟؟!! .. دة حتى لمن خلى البيت ومشى الجيش انت كنت شافع .. عاوز تقول عليهو شنو ؟؟ ...

لمعت عينا ابراهيم بومضة مفاجئة ... وارتسمت ابتسامة صغيرة على ركن شفتيه وهو يجاوبها بلهجة اكدت شكوكها التي راودتها بعد ملاحظة نظراتهما المتواطئة يوم اختفاء عبد الرزاق ...

- عبد الستار ؟؟!! .. دة يا ستي المعلم .. كبيرنا الذي علمنا السحر ... هو العنصر البخلي المعادلة موزونة .. هو بدا معاي وانا انتهيت مع عبد الرزاق ... مش بلاهي عليك الله دة منتهى العدل ؟؟ هو ابتدع النظرية وانا طبقتها .. هو فتح الباب وانا مشيت في الدرب ...
عندما عادت الى المنزل بكت طويلاً ... واذدادت تصميما واصرارا على رفض ابراهيم ... وتمسكت بموقفها حتى اليوم التالي .. بعد الزيارة العاصفة التي قامت بها السرة الى الجزء الذي يخصهم من المنزل لاول مرة في حياتها ... اتتهم تحمل غضبها وعنجهيتها واذدراءها ورفضها ... هيمن صوتها الجهوري على فضاء المنزل وهي تصرخ منادية ..

- بخيت ... العينة ... انتو وين ؟؟!!..

خرج بخيت من غرفته مفزوعاً وعلامات التوجس تملا وجهه الكالح .. بينما اتت العينة مهرولة وهي تحمل يديها الملطختين بالعجين ...

وبادرتها بالتحية ..

- السرة ؟؟!! ... اهلاً حبابك .. اتفضلي لجوة ... البيت نوّر ...

قاطعتها السرة الهائجة بحدة ..

- السرة كدة ساكت يالعينة ؟؟ انا ستك السرة .. ولا انتي نسيتي انتي منو وانا منو ؟؟!! وانت كمان نسيت يا بخيت ؟؟ .... واضح جداً انكم نسيتوا .. لانكم لو كنتوا متذكرين ما كنتوا غشيتوا ولدي وجرجرتوهو لغاية ما يقول عاوز يعرس بتكم ... ولدي انا ؟؟!! ابراهيم ود ابراهيم ود العمدة الامين يعرس بت بخيت والعينة ؟؟!! ... صحي نسب يشرف ويرفع الراس ... اسمعوا هنا ...

قاطعتها حبيبة التي وقفت بانزعاج وهي تتامل والديها الذليلين امام سطوة السرة الجارحة ...

- لو سمحتي يا خالتي السرة مافي داعي للاهانات دي كلها ... ولدك مافي زول غشاهو ولا جرجرو !! ولدك جانا براهو وعشان ترتاحي انا رفضتو وقلت ليهو ما عاوزاك ... يبقى خلاص انتهينا ..
التفتت اليها السرة بتحفز وهي تكور قبضتي يديها كانها تهم بضربها ... اتسعت عينا بخيت وندت عن العينة صرخة واهنة بينما تراجعت حبيبة خطوة الى الوراء ..

- خالتي السرة ؟؟!! انشاء خلل الضروس .. خالتك بوين يا بت العينة ؟؟!! اوعك اسمعك تقولي خالتي دي تاني ... وكان نكرتي من هسة للسنة الجاية ما بصدقك ... ولدي غشيتيهو وجرجرتيهو .. بس وريني عملتي شنو ؟؟ ... مشيتي ليك لفكي ؟؟ كتبتيهو ؟؟ اصلكم معروفين بتاعين فقرا .. تكونوا ليكم سنين بتشربوا العروق والمحايات لمن عميتو عيونو .. هو كان ما عميان صحي صحي يقول عاوز يعرسك انتي ؟؟!! ليه من جمالك ولا من اصلك ولا من قروش ابوك ؟؟ ولا يمكن تكوني حامل ؟؟!! ايوة بس قولي كدة .. ما هو مافي سبب تاني يجبرو يعرسك الا اذا حملتي منو ... ولدي انا عارفاهو ولد اصول ومتربي صح .. بيكون عاوز يصلح غلطو ويتحمل مسئوليتو ... وانتي يا حربوية بتكوني عملتي كدة مخصوص ... اصلاً ياهو دة اسلوبكم من زمان تحملوا من اسيادكم عشان يعرسوكم ... لكن اسمعوني هنا وفتحوا عيونكم ... خلاص انتهى الزمن البيجي فيهو السيد يقول الخادم حامل لبسوها توب وشبشب وما تخلوها تعوس وتخدم .. اها يا بت العينة اكان دايرة توب وشبشب بديك .. لكن عرس ليك مافي .. دايرة قروش بديك لكن ولدي لا .. ما بديهو ليك .. اهون علي اقطعو وارمي لحمو للكلاب ولا يعرسك انتي .. وكان قايلة روحك بتغشيني بكلام انك رفضتيهو تبقى غلطانة ... انتي ترفضي ولدي ؟؟!! هو انتي اصلا كنتي تحلمي انك تلقيهو عشان ترفضيهو ؟؟ جاية تقولي الكلام دة بعد ما سكيتيهو لمن روحك طلعت ؟؟؟ لكن مليت خشمي بالله ... ابراهيم ما يعرسك طول ما انا حية ...
رفعت حبيبة الموجوعة من اهانات السرة لها ولوالديها راسها بتحدي واتي ردها باردا ...

- طيب يا السرة بدون خالتي ... شفتي عشان كلامك دة انا حوافق على ابراهيم .. وحعرسو .. واتحداك لو بتقدري تمنعي الحاجة دي .. وهسة لو سمحتي اتفضلي برة من غير مطرود ..كفاية السم السمعناهو منك من لحظة ما عتبتي الباب ... اتفضلي برة

بدات حبيبة تتجه نحو السرة المسمرة من الدهشة بخطوات مهددة وهي تحس بالالم لانكماش ابيها ودموع امها العاجزة ...

- انتي بتطرديني يا بت العينة ؟؟ .. بتطرديني من بيتي .. والله دة كلام !! يا قليلة الادب يا ما مربية ... بتطرديني من ملكي وحقي ؟؟ دي قوة عين انا ما شفت زيها ... لكن ما غريبة على صنفكم دة ... طيب والله عشان قلة ادبك دي الا ابيتكم الليلة في الشارع ... لموا كروركم دة واطلعوا من بيتي ... امشوا شوفوا ليكم راكوبة ولا ضل شجرة اقعدوا تحتوا ... اصلا داك حيكون مكانكم الطبيعي ...

وقفت حبيبة في وجهها بتحفز ويداها مغروزتان في وسطها ... كانت نظراتها تلمع بالتشفي والسخرية

- بيتك ؟؟؟ ملكك ؟؟ بيت شنو الملكك يا ام بيت انتي ؟؟ انتي ما عارفة انو عمي حامد كتب البيت دة لابوي بيع وشرا وسجلو باسمو في المحكمة قبل عشرة سنين ؟؟ .. شكلك ما عارفة ؟؟ لكن ما بلومو لانو دسّ منك .. هو اكتر زول عارف انك انسانة عنصرية ومليانة كراهية وحقد ... داخلة في وهم انك احسن من الناس ... لسة عاوزة تصنفي البشر اسياد وعبيد ... عايشة في الماضي وما قادرة تستوعبي انو الزمن اتغير والناس اتغيرت والافكار اتغيرت !!
وقع الخبر كالصاعقة على راس السرة .. مفاجاة البيت الذي وهبه حامد لبخيت دون علمها اخرستها اصبحت كالتمثال وهي تسمع عبارات حبيبة الشامتة ... كانت نظراتها تدور بين افراد الاسرة بفم مفتوح ... ظلت تبحث عن صوتها حتى وجدته فخرج خشنا ومبحوحاً .. تدفقت كلماتها مخلوطة برزاز بصاقها الذي تناثر في وجه حبيبة ...

- تعرفي يا بت العينة ..مش لو اتعلمتي ولا دخلتي جامعة ولا حتى جبتي دكتوراه تفتكري انك ممكن تبقى زينا ولا حتى توصلي طرف مكانتنا ... مهما عملتي حتفضلي طول عمرك حبيبة بت بخيت والعينة ..وكان رضيتي ولا ابيتي .. انا ستكم وبت اسيادكم ... وولدي بقتلو بايدي قبل ما يعرسك ويفضحني بيك قدام الناس ...

استدرات وسارت بخطوات متعبة دون ان تهتم برفع طرف ثوبها الذي تبعها ماسحاً الارض خلفها فرفعت حبيبة صوتها وهي تاكد لها ...

- طيب يا السرة .. حنشوف ... انا ولا انتي ؟؟ وبكرة ولدك يعرس الخادم غصباً عنك كان رضيتي ولا ابيتي ..وحاقعد ليك في قلبك ... وحابقى ليك زي شوكة الحوت .. وشوفي حتقدري تعملي شنو ...

بعدها باسبوع تم عقد قرآن حبيبة على ابراهيم في حفل مختصر باهت غابت عنه السرة وبناتها ... وبعد سنة انتقلا الى المنزل الصغير الذي شيده ود العمدة في ركن بعيد من الحوش بعد ان رفض خروج ابراهيم وزوجته من المنزل نزولا عند رغبة السرة الغاضبة .. وبعد الانتقال بثلاثة اشهر انجبت حبيبة ابنتها البكر " فاطمة " لتخرس الاشاعات التي انتشرت عن سبب الزواج الغريب ...
مرت السنوات وحبيبة تحارب السر الاسود في حياة زوجها ... لكنه كان اقوى واعمق واكبر من كل اسلحتها ... فاعلنت هزيمتها امامه وانسحبت من المعركة مكتفية بانتصاراتها المتمثلة في بناتها الثلاث .. تظاهرت بالسعادة والاكتفاء امام العالم الخارجي وهي تتهاوى داخلياً ... كان ابراهيم يدفع ثمن صمتها وبراعتها في تزييف واقعه بسخاء شديد .. فاصبحت ترتدي افخم الثياب واغلى المجوهرات كي تخفي جوع انوثتها المهدورة وفقر روحها المدقع واحساسها المستمر بالذل في حضور زوج اثبت رجولته بالانجاب والغى انوثتها بمباركة صامتة من مجتمع غافل لم يستطع ان يحل لغز التناقض الغريب بين مظهرها الطافح ثراء .. وملامحها المشبعة بالحزن ... والجوع ...
ارتفعت موجة من الزغاريد فاعادت حبيبة الى واقعها ... رفعت راسها لتخاطب العجوز الواهنة .. فوجدتها غطت في نوم عميق وفمها يصدر صفيراً خافتا متقطعاً ... حملت الغطاء ووضعته فوقها برفق وهي تقبل مفرق الراس الابيض وتسقط فيه دمعة ساخنة ... اتجهت بخطوات بطئية نحو السور الشجري الذي يفصل بين عالم تحبه .. وعالم يكرهها ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 10:55 AM   #35
هيثم قوته
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,064
افتراضي

اللخمي اخوي

كل سنه وانت طيب ...

مالك مجافي الحوش دا .. علقتنا لا تميت لينا الرواية ولا جاكلين اسلمت
__________________
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
هيثم قوته غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 06:29 PM   #36
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيثم قوته مشاهدة المشاركة
اللخمي اخوي

كل سنه وانت طيب ...

مالك مجافي الحوش دا .. علقتنا لا تميت لينا الرواية ولا جاكلين اسلمت

أخوى هيثم
كل عام وانت بالف خير
يشهد الله قبيل شوفتك حايم فى بوست النيل يزمجر بتاع طارق العرش ... عندها تبادر الى ذهنى وعدى لك بإتمام القصة بعد العيد ... عشان تعرف ست الحسان جاكلين الحصل ليها شنو فى حوش بنات العمدة ... لكن سبقتنى وجيتنى فى الحوش ... يلا نشرب لينا قهوة وأتم ليك فصول الرواية .

أشرقت أنوار المنتدى على حسك ... لك ودى واحترامى

التعديل الأخير تم بواسطة عبد العزيز النور اللخمى ; 08-29-2012 الساعة 06:38 PM
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2012, 04:43 PM   #37
هيثم قوته
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,064
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العزيز النور اللخمى مشاهدة المشاركة

... يلا نشرب لينا قهوة وأتم ليك فصول الرواية .


وحياة شيخي الما عارف اسمو منو يا اخوي اللخمي
البن بتاع قهوتك دا لو زرعتو من امس لحدي هسه
كان قام وحصدناه وقليناهو وشربنا القهوة وتمينا حوش بنات العمده
يا زول وينك ... ووين قهوتك الكاربه ... في الانتظار وكل سنه وانت طيب
__________________
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
هيثم قوته غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2012, 11:50 AM   #38
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيثم قوته مشاهدة المشاركة

وحياة شيخي الما عارف اسمو منو يا اخوي اللخمي
البن بتاع قهوتك دا لو زرعتو من امس لحدي هسه
كان قام وحصدناه وقليناهو وشربنا القهوة وتمينا حوش بنات العمده
يا زول وينك ... ووين قهوتك الكاربه ... في الانتظار وكل سنه وانت طيب
معليش الهيثم أنا كتّرت الاعذار ويشهد الله لى (5يوم) فى مأمورية لاعارف أجيب بن ولاعارف عِدة القهوة وين ولا حتى بشوف اللاب توب المهم طابيهو فى الشنطة وحايم ومرة حاولت أخش بالتلفون وغايتو .... الالتزام المهنى والمشغوليات أحياناً تحرمنا من التواجد بالمنتدى ... أوعدك وعد أخير ماحتنتظر تااانى ويلا (شوووووووووووووووب) جر ليك بُقة مانعة من الفنجال القدامك ده .

تسلم يارائع على المتابعة دون كلل ولا ملل .

عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2012, 11:53 AM   #39
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-20-
الفصل العاشر


كانت حلبة الرقص تغلي بالاجساد الموزعة فيها بفوضى ... اختلطت روائح العطور الغالية مع الرخيصة .. وامتزجت برائحة العرق والرمل المبلل بالماء ... في الجو تشكلت سحابة رقيقة من ضباب الانفاس اللاهثة تخترقها من وقت لآخر شرارات ناتجة عن التصادم العفوي او المتعمد بين الراقصين ..
كانت منال تحس بحريق هذه الشرارات وهو يصلي جسدها وينشر فيه رعشة متوثبة كلما اقتربت من جمال وابتعدت عنه في محيط الدائرة المتمركزة حول رحمة وزوجها ... كانت حركاتهما المتناغمة تبدو تلقائية لكل من حولهما .. وحدهما يدركان ان نية التقارب كانت مبيتة وتم التخطيط لها قبل الحفل بوقت طويل عندما انتزع جمال من منال وعداً بان تكون معه طيلة الوقت ...

- منال ... اوعك يوم العرس ترقصي مع أي زول تاني غيري ... انتي عارفة انا بغير عليك قدر شنو .. وما بتحمل اشوف حد تاني يقرب منك ...

- ما تخاف يا جمال .. يا انت يا بلاش ... مش في الرقيص وبس .. في حياتي كلها ..

في احدى لحظات التقارب امال جمال راسه على اذن منال وهمس لها ...

- منال .. انا حنسحب هسة وانتي تعالي بعد شوية ... الدنيا جايطة وما حد حيلاحظ غيابنا ... عاوزك ضروري ... حستناك في حوش بيتنا .. ما تتاخري ...

كانت انفاسه التي تعبث بشعيرات اذنها تعدها باحتمالات مبهمة ... احست بحرارة جسدها ترتفع حتى خيل اليها ان بخارا يخرج من عينيها ويضفي على محيطها مشهداً سيريالياً ... اومأت براسها ايجابا واشرقت ملامحها بابتسامة حالمة عندما ضغطت اطراف انامله على باطن كفها قبل ان يغادر مكانه بجانبها ... تبعته نظراتها بوله .. وتراقصت غمازتيها بشكل مغر ... دارت عيناها بحذر فيمن حولها وهي تبحث عن لمحة ادارك لما يدور بينهما .. تنفست بارتياح عندما لاحظت ان الكل لاهي بالتنفيس عن مشاعره في رقص هستيري لاهث ...
وقع نظرها على والدتها وهي تحيط شقيقتها وزوجها بكلتا ذراعيها .. وبين الفينة والاخرى ترفع كفها الذي تصالح مع لون الحناء بعد خصام طويل وهي تمسح به دمعة عصية انحدرت في غفلة منها ... احست منال بموجات من الحنان تعبر حواسها وهي تتامل والدتها ... ما لبث ان تبعها احساس قوي بالكآبة عندما غزت افكارها الهواجس بما يمكن ان يحدث عندما تعلم عن علاقتها بجمال .. وانتقل عقلها من جو الفرح الذي يحيط بها الى عالم الخوف الذي يناوشها منذ ان اعترفت لنفسها بحبها المستحيل .. لقد ادركت باستحالته منذ الوهلة الاولى ... انكرت احاسيسها ودفعتها خارج قلبها .. حاولت بكل ما تملك من ارادة ان تقاوم مشاعرها التي سكنتها منذ صغرها .. وعندما دخلت الجامعة جاهدت كي توجهها الى اتجاه آخر باقامة علاقة مع احد زملائها الذي استمات في التقرب اليها منذ اول يوم لها في الكلية ... لكنها فشلت ... كان جمال الوحيد الذي استطاع فك شفرة الدخول الى قلبها واحتلاله بلا منافس .. بمرور الايام اصبحت تحبه بعمق وصدق مخلوط بالخوف والحيرة ... تماوجت ظلال الهموم التي تعتريها على ملامحها وصبغتها بالتوتر كانت تتامل امها الباكية فرحاً وهي تتساءل .. هل ستبكي فرحا اذا ما قدر لها ان تتزوج بجمال ؟؟...
انسحبت من وسط الدائرة بهدوء وشقت الجموع بخطوات مرتبكة ... دخلت الى المنزل وقطعت الساحة حتى وصلت الى السور الشجري ... دفعت الباب الخشبي القصير فاصدر صوتا اجفلها .. عبرت الحوش على اطراف حذائها حتى لا توقظ العجوز النائمة بسلام ... فتحت الباب المؤدي الى الشارع وبخطوات قليلة وصلت الى الباب الملاصق له فوجدته موارباً بانتظار حضورها ...نزلت الدرجات الصغيرة الى داخل الحوش شبه المظلم ..كان جمال قد اكتفى باضواء الصيوان المشعة وجلس بانتظارها في احد الكراسي الحديدية ... هب واقفاً ما ان رآها ..كانت اللهفة تملا ملامحه الوسيمة التي تزينت بابتسامة عريضة .. فتح ذراعيه على اتساعهما فتقدمت واندست بينهما .. احتضنها بقوة وحنان .. استكان راسها على صدره العريض .. وتقاطعت يداها خلفه ... زرع شفتيه على مفرق راسها وتجولت يداه على طول ظهرها برقة ... اختنقت منال من قوة المشاعر التي تعتمل في صدرها فتنفست دموعها بصمت ... احس جمال باختلاجات البكاء التي تهز الجسد الملتحم معه ... تهاوى قلبه خوفاً على الفتاة التي يعشقها بجنون .. حاول ان يحررها من اسر ذراعيه حتى يرى وجهها .. لكنها احكمت عقد كفيها خلف ظهره ودفنت وجهها في صدره وهي ترفض ان تدعه يرى دموعها .. همس في اذنها

- منال !! انتي بتبكي ؟؟...في شنو ؟؟ كلميني .. انتي عارفة اني ما بتحمل اشوفك حتى مكشرة ... عايني لي يا منال ..

امسكها من كتفيها وابعدها عنه قسراً ليفاجا باخدودين عميقين حفرا طريقهما من عينيها ليكونا بركة رطبة مخلوطة بالكحل على قميصه الازرق ... اصابه الجزع وهو يرى دموعها تنزل بهذا الشجن لاول مرة منذ بدء علاقتهما .. فخرجت كلماته متوترة وحائرة ..

- منال !! كلميني .. في شنو ؟؟ الحاصل شنو ؟؟!! ... حد مزعلك ؟؟؟ حد قال ليك حاجة عننا ؟؟ حالتك دي قلقتني شديد ... قولي لي مالك ؟؟...
كانت تهز راسها سلباً على كل سؤال يوجهه لها ... تلفحت بصمتها وهي تتامل علامات الانزعاج على ملامحه ... رفعت يدها الصغيرة ووضعتها بتعب على صدره .. فرفع كفيه واحاط بهما وجهها المبلل بالدموع .. وبدا يجفهها بالطريقة الوحيدة التي تريحه .. وتريحها .. هبطت قبلته بنعومة الريشة على جفنيها ... ثم تجولت شفتاه برقة بين خد وآخر وهي ترتشف القطرات المالحة بهيام حتى وصلت الى ركن شفتيها .. توقف طويلاً قبل ان يطبع فيه قبلة اثارت رعشتهما معاً ... اراد ان يتوقف .. لكنه لم يستطع ... ارادته ان يتوقف .. لكنها لم تنبس بحرف ... انها قبلتهما الاولى ... كان لها مذاق لاذع كالبهار الحار.. وناعم كملمس المخمل ... خلقت بداخلهما مشاعر غامضة ... ومخيفة ... تلاشى كل شئ حولهما الصوت والضوء والمكان والزمان ... لم يبق الا التحام شفتين تركزت فيهما حواس كائنين عاشقين ... شهقت منال وهي تبحث عن انفاسها .. فانفصل عنها جمال بصعوبة ... وامسكها بحرص عندما ترنحت خطواتها لحظة انفصالهما .. امسكها من ذراعها واجلسها في الكرسي خلفها ثم جلس بجانبها وهو ما زال ممسكاً بيدها ...تلاقت نظراتهما بدهشة .. وفرح ... عندما وجد صوته بعد عناء .. اتت كلماته عميقة ومتحشرجة ...

- منال وحياة البيني وبينك تكوني صريحة معاي وتحكي لي الحاصل ... بتبكي ليه ؟؟ دي اول اشوفك بتبكي بالصورة دي من يوم ما عرفتك !! .. قولي لي الحقيقة وما تخليني قاعد على اعصابي ..

وفجاة اتسعت عيناه برعب وظهرت فيهما لمحة ادراك مرتابة .. فسالها بهمس ..

- منال ؟؟ انتي في حد اتقدم ليك ؟؟ جاك عريس ؟؟ عاوزة تخليني يا منال ؟؟...

انتفضت عند سماعها عباراته المتالمة وسارعت بالرد ...

- لا .. لا يا جمال ... ما تخلي خيالك يسرح بيك بعيد ... ما في زول اتقدم لي .. حتى لو دة حصل انت عارف اني حارفض .. لانو انا عاوزاك انت .. ومستحيل ارتبط بانسان غيرك مهما حصل ..

- طيب بتبكي ليه ؟؟

- ما عارفة يا جمال ... خايفة ... خايفة شديد لدرجة انو مخي مشلول وما قادرة افكر في أي شئ ... خايفة من المستقبل .. مجرد احتمال اننا ما نقدر نواجه الناس بحبنا وما نقدر ندافع عنو ونضطر نخلي بعض في النهاية ... احتمال انو اعيش حياتي من غيرك بيقتلني يا جمال ...

- نخلي بعض ؟؟!! ... منو القال اننا حنخلي بعض ؟؟ منال انتي مفروض تكوني لغاية هسة عرفتي اني مستعد اتخلى عن روحي ولا اخليك .. واني مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان اكون معاك ... في اكتر من ديني ؟؟ منال انا حخلي ديني عشانك..

- جمال انت عارف انا بحبك قدر شنو .. وبرضو مستعدة اعمل أي شئ عشان اكون معاك لكن بعد كدة خايفة ... الموضوع دة ما ساهل ... لا علي ولا عليك ... انا لمن اتخيل الممكن يحصل ليك لما اهلك يعرفوا انك بقيت مسلم !! وحتى لو انت اسلمت وعن قناعة اهلي حيرفضوا اني اتزوج انسان كان مسيحي واهلو كلهم لسة مسيحيين .. وحيحاولوا يفرقونا باي طريقة ... ابسط شئ انهم ممكن يحبسوني ويعرسوني لي اول واحد يدق الباب ... اما انت .. تاكد انو وقتها جدي حامد حينسى انو رباك على ايدينو حينسى العشرة والجيرة والعلاقة الطيبة .. دة جدي وانا باعرفو كويس .. هو انسان طيب وكريم وحنين .. لكن عندو حدود لكل شئ .. وما بيقبل اي زول يتخطى الحدود دي مهما كان ... ولو بالغلط او عن عمد ... ولو أي واحد مننا اتخطاها بينقلب ويبقى انسان تاني ... قاسي وما بيرحم ... يعني يا جمال لو عرف .. ممكن ياذيك وياذي اهلك .. ولا العجب كان ابوي واعمامي سمعوا !! ... دي بيحصل فيها موت ... بيقتلونا احنا الاتنين ..
اطرق جمال فترة طويلة وهو يستمع الى صوتها المهتز ... وعندما رفع راسه كانت في عينيه نظرة مصممة

- شوفي يا منال ... انا مستعد احارب الدنيا كلها عشان خاطرك ... بس اكون ضامن انك حتقيفي معاي وتتمسكي بي زي ما انا متمسك بيك ... احنا من البداية كنا عارفين انو ارتباطنا دة ممكن يواجه صعوبات كتيرة .. وبرغم كدة مشينا فيهو ... هسة دة الوقت الحنثبت فيهو لبعض جدية مشاعرنا .. انا باقي لي شهور واخلص الامتياز .. كنت ناوي ما اعمل أي خطوة الا بعد ما اخلص .. لكن الحالة الانتي فيها دي خوفتني وخلتني اقرر اني ما انتظر ... من بكرة انا حابدا احضر اوراقي عشان اقدم للهجرة ... وحقدم ليك معاي بصفتك زوجتي ..

لم يتوقف برغم الشهقة العالية التي صدرت عنها ...

- منال .. طالما انو احنا عارفين ما عندنا فرصة حياة مع بعض هنا ... يبقى نطلع برة احسن ... نمشي ابعد مكان في الدنيا ... مكان ما يقدروا يوصلوا لينا فيهو ... انا عندي اصحابي في استراليا وكندا كل مرة يحنسوني عشان اقدم .. انا كنت رافض اطلع من السودان عشانك ... لكن هسة دة بقى حلنا الوحيد ... ولما نقدم مع بعض فرصتنا بتكون احسن وقضيتنا مضمونة .. تعرفي الخواجات ديل بيهتموا شديد باسباب طلب الهجرة وبالذات الجانب الانساني ... يعني لمن ندخل انا وانتي مع بعض ونحكي ليهم قصتنا ونشيل معانا الاوراق البتثبت اختلاف ديننا .. ونوضح ليهم انه في تهديد مباشر على حياتنا لو قعدنا هنا .. تاكدي انهم حيقتنعوا ... ناس كتار اتحججوا بموضوع الاضطهاد الديني دة وادوهم ... بعد ما تخلص جوطة عرس رحمة دي .. نطلع يوم من الجامعة مع بعض ونمشي الجوازات نطلع ليك جواز سفر .. انتي جهزي جنسيتك وباقي الاوراق .. وجيبي لي شهادتك بتاعت الثانوي واطلبي شهادة من الجامعة تثبت انك في سنة اولى طب وانا حاشيلهم وامشي اوثقهم في الخارجية وفي السفارة عشان أي مكان نمشي تواصلي دراستك ... عاوزك تتحركي بهدوء وما تخلي أي زول مهما كان يعرف انتي بتخططي لشنو ... ولا حتى جاكلين اختي ما تعرف حاجة ... وعلى بال ما اخلص الامتياز تكون الاوراق الرسمية كلها جهزت ونمشي نقدم طوالي ... وما تشيلي هم لقروش التذاكر ومصاريف السفر انا حدبر كل شئ ..وقبل السفر بيومين نمشي المحكمة اشهر اسلامي ونعمل العقد ونخلص .. اها قلتي شنو في الكلام دة يا منال ؟؟!!

عندما رفعت منال راسها وواجهت نظراته كان وجهها قد اختفى لونه وارتسمت فيه علامات الفزع والحيرة ...

- قصدك شنو يا جمال بالكلام دة ؟؟ انت عاوزنا نهرب ؟؟ نخلي البلد واهلنا وكل شئ ؟؟

- عندك حل تاني ؟؟!! .. لو عندك حل قوليهو لي وانا مستعد اعملو ...

قوبل تساؤله المتحدي بصمتها اليائس ... بينما استعاد مجرى الاخاديد نشاطه المحموم ...
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2012, 09:47 AM   #40
عبد العزيز النور اللخمى
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: السودان .. سنار
المشاركات: 3,361
افتراضي

-(21)-
الفصل الحادي عشر


جلس ابراهيم خلف المائدة المربعة وعلامات التجهم تعتلي وجهــه الوسيم ... كــان يتامــل اوراق ( الكوتشينة ) التي يحملها بعدم رضى وهو يحمل كأسه شبه الفارغ .. تناول آخر رشفة منه ثم رمى اوراقه .. ندت عن شريك اللعب صيحة فرح وضرب بيده سطح الطاولة بقوة جعلت الاكواب والزجاجات ترتفع عن مكانها قليلا لتهبط بفوضى في الاوراق المبعثرة محدثة ضجيجاً عالياً لفت انتباه المجموعة الجالسة ارضاً في احد اركان الحجرة المتواضعة متحلقين في دائرة وقد انهمك كل منهم في عمله ... كانت اوراق لفافات التبغ الفارغة واعقابها منتشرة في كل مكان بعد ان انتزعت احشائها في طبق واسع عميق احتشـدت فيه عدة ايادي لتخلط التبغ مع اوراق الحشيش المتساقطة من (قنــدول) يحمله ( جادين ) ويفركه بين يديه بقوة ... بينما تولى آخر مهمة تجهيز اوراق (البرنسيسة) الناعمة ووضع الخليط ولفه بحرص في لفافات صغيرة متساوية ...
رفع جادين راسه مخاطبا رفيق ابراهيم في اللعب وعلى وجهه ابتسامة شامتة ...

- يا زول انت الليلة حظك ضارب بالجد ما دام قدرت تغلب ابراهيم الحريف ... اها طلعت منو بكم ؟؟ من حضر القسمة فليقتسم ... وما دايرين قروش ... امشوا جيبوا لينا كوارع ولا سمك من الموردة .. اتهرينا من اكل الفول والطعمية .. الا انت يا ابراهيم مالك ما جبت لينا معاك عشا من بيت العرس ؟؟ ما عزمتنا قلنا معليش تكون خايف من ابوك وما دايرو يشوف اصحابك الصعاليك .. طيب على الاقل كنت تملا لينا كيس اكل وتجيبو معاك !! ...

هب ابراهيم غاضباً فارتد كرسي الخيزران القديم الى الخلف وسقط ارضاً بدوي عال اشاع التوتر في جو الغرفة المعباة بالدخان الازرق ورائحة الخمر ... وتكلم بانفعال وحدة ..

- اسمع هنا يا جادين ... انا ما بخاف الا من ربي الخلقني ... وقلت ليك قبل كدة الف مرة ود العمدة ما ابوي ... انا ابوي مات زمان .. وبعدين فول وطعمية شنو الاتهريت بيهم ؟؟ انا ما كل يوم بجيب ليكم احسن اكل ... لكن اصلك زي الكدايس تاكل وتنكر ..
تحامل جادين على نفسه محاولا الوقوف ومواجهة ابراهيم الذي كان يطل عليه من عل بطوله الفارع تدخّل ( منان ) صاحب المنزل عندما احس بنذر الحرب المعتادة بين صديقيه تطل براسها ..

- يا جماعة مالكم قولوا بسم الله ... اقعد يا ابراهيم وروق المنجة ... خليني الف ليك سيجارة مخصوصة .. والله جابوا لي نوع ما يستاهلو زول غيرك ...

تجاهله ابراهيم وعاد الى الطاولة حمل مفاتيح سيارته واتجه الى الباب يتبعه منان باستعطاف ذليل ...

- يا ابراهيم ياخي الليلة مالو خلقك ضيق كدة ؟؟ جادين ما قاصد حاجة وبيهزر معاك من العشم بس ...

- شوف يا منان .. انا لو تاني جيت ولقيت الزول دة قاعد هنا بطلع طوالي .. ويمكن ما ارجع تاني ... دة انسان سخيف وجنو مطاعنة زي النسوان .. وانا متاكد انو ما بيهزر وبتعمد يفور دمي كل مرة ...

سد منان الدرب بجسده حتى لا يخرج ابراهيم الغاضب ..

- ياخي هو زول اشتر وما بيعرف يتكلم .. احنا ذنبنا شنو تخلينا عشانو ؟؟ وبعدين انت عارف من زمان انو بيغير منك شديد .. سيبك منو .. كدة روق واقعد عشان تشوف انا مجهز ليك شنو ... حاجة كدة حتخلي مزاجك في العالي ... انا عارف انك ما بتحب الاعراس وانو جوها بيعكرك .. وكنت عارفك حتجي هنا .. عشان كدة عملت حسابي من بدري وجهزت ليك طلبك قبال ما تطلبو .. واها الليلة عشان زعلتك دي حرّم ما اشيل منك مليم ولا تعريفة بس انت كيف ترضى ؟؟!! ... الهدية في السكة وقربت توصل .. اديني صبرك حبة بس .. يا زول حاجة كدة من القلبك بيحبها ...
قاطعت طرقات خفيفة كلمات منان المندفعة فهرول باسما تجاه الباب وعاد مصطحباً معه فتى ناعم الملامح يصعب تحديد عمره بسبب ضآلة حجمه ومشيته المتمايلة بخطواتها الضيقة وتسبقه رائحة عطر نسائي رخيص ... كان ابراهيم يراقب تقدمه باحاسيس متضاربة ما بين الاثارة والحذر ... انه نوعه المفضل ويبدو قريبا من سن عبد الستار عندما بدا معه لعبة الاصدقاء اول مرة ... اللعبة التي اقنعه بانها ميثاق سري بين الصبية وجعله يقسم بكتمانها ... علمه اصولها واسرارها في حصص منتظمة كانت تتم في الاماكن المنعزلة من المنزل الكبير حتى لا يسمع احدهم صرخات ابراهيم المتالمة التي خفت بمرور الايام وخلفت وراءها احاسيس اخرى لم يستطع عمره الصغير وقتها ان يستوعبها ... واصبحت لعبته المفضلة مع صديقه كلما اجتمعا بدعوى استذكار دروسه ... تعلقه بعبد الستار جعله ينفذ كل ما يطلبه منه بلا تذمر .. كان يحاول ارضاؤه بشتى السبل .. وفي كل الاوقات ... كانت النتيجة ان الوقت المخصص للاستذكار قد تقلص وبدات علامته المدرسية تتدنى باضطراد ... لكن من يهتم ؟؟ فالسرة لاهية عنه ببناتها وسعدت برمي حمله على بخيت والعينة ليقوما بتربيته ... اما والده .. فقد كان يزداد تجاهلا له وبعدا عنه يوماً بعد يوم ... وبرغم محاولاته اليائسة لاكتساب حبه ورضاه الا ان قلب ود العمدة ظل موصدا امامه باصرار شديد .. كان يعوضه عن نقص مشاعره بزيادة كمية النقود التي يمنحها له حتى بدون ان يطلبها او يرغب فيها ...بمرور الايام كف عن المحاولة وتعلم كيف ياخذ نقود ابيه ليشتري بها حب الآخرين ... واشتهر في المدرسة بكرمه فسعى الجميع لصداقته واظهار حبهم له ... كان في اعماقه يدرك ان غالبيتهم يسبونه خلف ظهره ويطلقون عليه النكات ... لكنه لم يهتم .. يكفيه تملقهم ومشاعرهم المبذولة عند الطلب لقاء ما يدفعه لهم ...
الوحيد الذي كان يرفض ماله هو عبد الستار ... اعتاد ان يعطيه حبه بلا مقابل .. كان يتقبله بكل عيوبه ونزوات طفولته المرهقة .. كما كان الوحيد الذي استطاع تبديد حيرته بشان كره والده له ... اخبره السبب في جلسة الوداع التي سبقت التحاقه بالجيش .. يومها جلس ابراهيم دامعاً وعيونه تحدق في الفراغ .. وهو يفكر في الايام القادمة بدون صديقه الذي جلس مهموما بقربه وهو يحاول ان يسري عنه ...

- ابراهيم ... ما تخليني امشي وانا قلقان عليك وشايل همك .. انا عارفك زعلان .. لكن انا ما عندي طريقة غير ادخل الجيش ... وما تخاف ححاول اجي كل فترة والتانية بس عشان خاطرك ..

انحدرت دموع ابراهيم المطرق دون ان يحاول ايقافها .. وهمس بصوت مخنوق ..

- انت ليه عاوز تمشي الجيش ؟؟!! .. اقعد هنا يا عبد الستار وانا حكلم ابوي يشغلك معاهو في السوق ... انت صاحبي الوحيد .. وانت بس البتفهمني وتحبني .. انا مافي زول غيرك بيحبني ... حتى ابوي زاتو ما بيحبني ...

- لانه ما ابوك ...

كان الرد صاعقاً .. لذلك لم يستوعبه عقله الحزين التائه في امور اخرى ... ساد صمت ثقيل تغلغلت خلاله الجملة المخيفة الى خلايا عقله .. وعندما رفع راسه كانت نظراته فزعة ومليئة بالدهشة ...

- قلت شنو يا عبد الستار ؟؟!! ... ابوي ما ابوي ؟؟ كيف يعني الكلام دة ؟؟!!...

ظهرت علامات الندم على ملامح عبد الستار بسبب زلة لسانه التي افشت لصديقه سرا حرص الجميع على اخفاؤه عنه منذ ولادته و لمدة احد عشر عاماً ... وفي النهاية قرر ان يخبره ...

- ود العمدة ما ابوك ... ابوك مات لمن كنت في بطن امك .. ودالعمدة عمك اخو ابوك الصغير وعرس امك بعد وفاة ابوك ... انت اصلك ما انتبهت لاختلاف الاسم بينكم ؟؟!! يمكن ما تكون انتبهت لانو الناس كلها بتقول ليهو ود العمدة بدون اسمو ... او لانو امك زرعت في راسك انو ابوك من ما انت صغير ... وفي النهاية هو عمك واساميكم متشابهة ...
اعاد اليه التفسير الصادم ذكرى محاولاته المستميتة للحصول على حب من كان يظنه ابوه ... وفشله المزمن في كل مرة ... انفتحت طاقة عقله واطلت منها الذكريات المؤلمة والاسئلة الحائرة التي رافقته منذ ان وعى بالحاجز العالى الذي يفصل قلب ود العمدة عنه ... وبدات المواقف تمر كشريط سينمائي تؤكد كل لقطة فيه صدق كلمات عبد الستار ... تذكر احساسه الطفولي الفطري الذي جعله يدرك منذ البداية ان هناك خطبا ما في علاقته بابيه .... شيئا مجهولا يجعله يبعده منه كلما حاول الاقتراب ... وضع كل الاسباب التي يستطيع تخيلها لهذا الجفاء الغريب ... وعندما عجز عن ادراك السبب الحقيقي .. لام نفسه .. واحس انه ربما خذل والده بطريقة او باخرى ... وانه لم يصل الى المرتبة التي تؤهله للحصول على ما يستحقه من حب ... لكنه لم يتصور للحظة ان والده ليس والده ... تذكر نظرات الحزن في عيون السرة كلما باغتها بالسؤال المحير ...
يتبع
عبد العزيز النور اللخمى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 08:29 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات